د.عبده زايدعرض الاقتباسنسخ الرابطوكما استغنت القصة عن الصورة البيانية استغنت عن تصوير شخص التائب ، ورسم ملامحه الخارجية ، وهو أمر لا تستغنى عنه القصة في العادة ، ولكنك هنا تستطيع أن تشكل للرجل صورة في خيالك ، تعتمد على الخطوط المتاحة لك من سلوكه وتصرفه ، واندفاعه إلى قتل الراهب ، حينما أيأسه من رحمة الله ، واستخدامه فى التعبير عن ماضيه لغة مخالفة لمقتضى الظاهر ، كل هذا يعطيك الخيوط التي تستطيع أن تنسج منها صورة لهذا الرجل في خيالك ، دون أن تفرض عليك القصة النبوية صورة معينة ، محددة الملامح والأبعاد ، فلا تجد لنفسك منها فكاكا . إن توفير مادة الصورة ، وترك الحرية لخيال المتلقى في رسم هذه الصورة ، من المادة المتاحة ، يعطى مساحة واسعة لتشكيل صورة مختلفة وليس صورة واحدة - لذلك التائب ، ذلك أن صورة المجرم ، ليس لها سمات واحدة في كل عصر ومصر ، فلا يمكن الخروج عنها . إن سمات المجرم وملامحه تتشكل وفقا للبيئة والزمان والعوامل الاجتماعية . فقد تتصورها في شكل رجل ضخم الجثة ، عريض المنكبين ، كث الشعر ، جاحظ العينين ، غليظ الصوت ، يتخذ من الجبال ملجاً ومكمنا ، يغير على الآمنين ، يقتل ويسلب ، ويفتك وينهب ، ويعود إلى مكمنه آمنا مطمئنا . وقد تتصورها في صورة رجل جبار ، استعبد الناس واستذلهم ، يسوقهم بعصاه ، ويخضعهم لمشيئته ، ويسخرهم لخدمة أهدافه الخاصة ، في نفس الوقت الذي يزعم فيه أنه يقوم على خدمتهم ، ويحمى مصالحهم ، ولا يتردد في قطع أى رأس حماية للشعب من أعداء الشعب ، ولا بأس عنده من أن يقتل الثلث الإصلاح الثلثين ، ثم يقتل ثلث الباقين أيضا لإصلاح ما بقى ، حتى يستطيع أن يحركهم بإشارة منه ولفتة ، إلى ما يشاء وما يريد . وقد تتصورها في شخص رجل أنيق ، حاد النظرة ، نحيل الجسم ، واسع الحيلة ، كثير العلم ، وافر الذكاء ، يقتل بالكيماويات والسموم والغازات قتلا بطيئا ، دون أن يكون هناك دليل واحد ضده ، وقد يكرمه الناس لعلمه ، ويرفعونه لاختراعاته ، ويعطونه الأوسمة والنياشين لصناعاته وإنتاجه وهناك صور ونماذج وأشكال للمجرمين من غير هؤلاء يخطئها الحصر والعد ، ولا تنتهى عند حد ، فهي متجددة دائما ، متزايدة أبدا ، ولابد أن تترك صورة المجرم السائدة والمهيمنة فى عصر معين ، ومكان معين ، ظلالها على تشكيل ملامح صورة ذلك القاتل ، في ذهن المتلقى ، وقد تتسع مساحة هذه الظلال فتغطى الصورة كلها ، وتتلبسها تلبسا كاملا ومن هنا كان عدم تصوير الملامح الخارجية للرجل التائب أكثر إثراء للقصة ، من محاولة التحديد والتشكيل ، ورحم الله عبد القاهر الجرجاني حينما قال وهو يتحدث عن الحذف : ( هو باب دقيق المسلك ، لطيف المأخذ ، عجيب الأمر ، شبيه بالسحر ، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر ، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة ، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق ، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن)د.عبده زايد · أسرار النظم في القصص النبوي0قبس