د.بسيوني عبدالفتاحعرض الاقتباسنسخ الرابطالتشويق بالاستفهاممن طرق التشويق إلى المعنى وتهيئة المخاطب لتلقيه: الاستفهام، فإن الأصل في الاستفهام طلب الفهم، وقد يشوبه معنى الإنكار أو التقرير أو الاستبعاد أو التهكم وغير ذلك من المعاني البلاغية، وعندما يشوبه هذه المعاني يكون المغزى الأساسي تنبيه المخاطب إلى موضع الإنكار فيرتدع وينزجر، ويقلع عما أنكر، أو إلى موضع الإقرار فيقر به ويثبت أو إلى موضع الاستبعاد فيتنبه لبعده واستحالة وقوعه. يقول الإمام عبد القاهر: "واعلم أنا وإن كنا نفسر الاستفهام في مثل هذا بالإنكار، فإن الذي هو محض المعنى أنه ليتنبه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع ويعيى بالجواب، إما لأنه قد ادعى القدرة على فعل لا يقدر عليه فإذا ثبت على دعواه قيل له: فافعل، فيفضحه ذلك، وإما لأنه هم بأن يفعل ما لا يستصوب فعله فإذا روجع فيه تنبه وعرف الخطأ، وإما لأنه جوز وجود أمر لا يوجد مثله فإذا ثبت على تجويزه وبخ على تعنته وقيل له: فأرناه في موضع وفي حال، وأقم شاهدًا على أنه كان في وقت ". وقد كثر التشويق بالاستفهام فى الحديث النبوي الشريف ومن ذلك ما جاء عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أرأيتم لو أن نهرا بياب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شي؟د.بسيوني عبدالفتاح · التشويق في الحديث النبوي طرقه وأغراضه0قبس
د.بسيوني عبدالفتاحعرض الاقتباسنسخ الرابطالتشويق بالإيضاح بعد الإبهام تتطلع النفس دائما إلى إيضاح المبهم وإلى تفصيل المجمل، فإذا بدئ الكلام بإبهام أو إجمال ترقبت النفس بيانه واشتاقت إلى تفصيله، فإذا ما جاء الإيضاح بعدئذ أو التفصيل صادف نفسيًا مهيأة مترقبة فيتمكن فيها ويثبت. والإيضاح بعد الإبهام أو التفصيل بعد الإجمال طريقة من طرق التشويق إلى المعنى فى الحديث النبوى وتهيئة المخاطب لتلقيه، والغرض منه أن يتأكد المعنى لدى السامع وأن يقر بداخله، لأنه من الأمور المهمة التى تحتاج إلى تأكيد وتثبيت ليشتد الحرص على امتثالها وإجابتها... ومن ذلك ما جاء عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: "عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله (۲). فقد شوق صلى الله عليه وسلم إلى معرفة هذين العينين، حيث أجمل في أول الحديث وأبهم صفة العينين: "عينان لا تمسهما النار " فتطلعت النفوس إلى الإيضاح الذي جاء في قوله: "عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس فى سبيل الله " وهذا يشعر بعظم خشية الله ومراقبته والخوف منه ، وقد خص الله تبارك وتعالى الخشية بالعلماء في قوله عز وجل: (إِنَّمَا تَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَتَوا ) (۳).. فهم الذين يدركون آثار آيات الله في الآفاق والأنفس، فيخرون الله خشعًا سجدًا ويخشونه ويخافون عذابه.. كما يشعر بفضل الرباط في سبيل الله، فرباط يوم فى سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ومن أجل ذلك كان حرصه صلى الله عليه وسلم على التمكين لهذين المعنيين في النفوس بالإيضاح بعد الإبهام.د.بسيوني عبدالفتاح · التشويق في الحديث النبوي طرقه وأغراضه0قبس
د.بسيوني عبدالفتاحعرض الاقتباسنسخ الرابطالتشويق بالقسم من طرق التشويق إلى المعنى فى الحديث الشريف وتهيئة المخاطب لتلقيه ليتأكد لديه ويثبت فى قلبه ويقر في وجدانه : القسم، إذ نجده يتقدم الأمور المهمة التي يحرص على تأكيدها وتثبيتها فى وجدان المخاطبين، لأن القسم يلفت السامع ويجذب انتباهه ويثير وجدانه فيصبح فى شوق إلى الإحاطة بالجواب وإدراك المعنى الذي أقسم من أجله. من ذلك ما جاء عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال : قال رسول الله ﷺ: " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أو لا أدلكم على شئ إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ". فالمعنى الذى يقصد صلى الله عليه وسلم إلى تثبيته وترسيخه في وجدان الأمة في الحديث الشريف أن تسود المحبة بينهم وأن ينتشر الود وأن يوقنوا أنهم لن يدخلوا الجنة إلا إذا آمنوا، ولن يؤمنوا إلا إذا أحب كل منهم لأخيه ما يحبه لنفسه وكره له ما يكرهه لها . ويشوقهم صلى الله عليه وسلم بالاستفهام إلى معرفة ما يحقق الود وينشر الحب بينهم: "أولا أدلكم على شئ إذا فعلتموه تحاببتم ؟ " فبهذا الاستفهام تشوقوا إلى معرفة ذلك الشئ الذي إذا فعلوه تحابوا وساد بينهم الود وتحقق الإيمان، ثم جاء الإخبار بذلك الشئ " أفشوا السلام بينكم " فقر بالنفوس، لأنه جاء بعد تطلع وتشوق.د.بسيوني عبدالفتاح · التشويق في الحديث النبوي طرقه وأغراضه0قبس
د.بسيوني عبدالفتاحعرض الاقتباسنسخ الرابطالتشويق بالنفي من طرق التشويق لتثبيت المعانى وتمكينها فى النفوس النفي، لأن النفس تتطلع عند وقوع النفى إلى معرفة أسبابه، وتشغل بالبحث في مضمون الجملة التي وقع فيها النفي، وهذا من شأنه تأكيد المعنى وتمكينه. وقد كثر النفي في الحديث الشريف وتعددت صوره، فأحيانا نرى الحكم قد نفى عن الشئ وأثبت لغيره، وفى صورة أخرى نجد الحكم قد انتفى عن الشئ ولم يتعرض الحديث لغيره، بل ترك المخاطب يتصور ما يمكن أن يثبت له ذلك الحكم، وأحيانًا نجد النفي معلقا على محال، أو على غير محال، وأحيانًا نجد الحكم قد نفى عن الشئ ثم أثبت لغيره.. إلى غير ذلك من الصور التي جاء النفي عليها في الحديث الشريف والتى ستتجلى لنا من خلال النظر فيما سنذكر من أحاديث. جاء عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب "(١). وعنه قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم :: "ليس المسكين الذى ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف " وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما عن النبي ﷺ قال: ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها (۱). ففي هذه الأحاديث ينفى صلى الله عليه وسلم صفة القوة والشدة عن القوى الشديد الذي يصرع الرجال، وينفى صفة المسكنة عن السائل الذى يسأل الناس فترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، وينفى الصلة عن المكافئ الذي يصل من وصله دون من قطعه ... وهذا النفى قد نبه السامع وأثار فكره فصار يبحث عمن يتصف بهذه الصفات، إذا كان الشديد ليس بالصرعة فمن يكون؟ وإذا لم يكن المسكين هو الذي يسأل الناس فترده التمرة واللقمة فمن هو ؟ وإذا لم يكن الواصل هو المكافئ الذي يكافئ من وصله فيصله ولا يصل من قطع فمن يكون الواصل؟.. لقد شغل السامع ونبهه النفى فأخذ يفكر ويتطلع إلى معرفة من تثبت له هذه الأحكام، وعندئذ يأتي قوله صلى الله عليه وسلم: " إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.. إنما المسكين الذي يتعفف.. ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها .. " فتقر هذه المعاني في أذهان السامعين وتتمكن بوجدانهم. وهى - كما نرى - معان مهمة تحتاج إلى هذا التأكيد، فالغضب إذا تمكن من الإنسان أفقده الوعى والإدراك، ولذا ألقى موسى عليه السلام الألواح عندما تحرك به الغضب، فلما سكت عنه أخذها، قال تعالى : ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفتُمُونَى مِنْ بَعْدِى أَعَجِلْتُمْ أَمْر رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يجره إلَيْهِ ) (٢) وقال تعالى: ﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ)د.بسيوني عبدالفتاح · التشويق في الحديث النبوي طرقه وأغراضه0قبس
د.بسيوني عبدالفتاحعرض الاقتباسنسخ الرابطالتشويق بالنداء إن النداء يهيئ المنادى وينبهه فيصغى بعناية وتشوق إلى ما يوجه إليه بعد النداء، ويترقبه ويتطلع إلى معرفته والإحاطة به، فهو طريق من طرق التشويق إلى المعنى في الحديث النبوي الشريف. وقد نادى النبي الصحابة رضى الله عنهم فرادى ومجتمعين، نادى أبا ذر الغفاري وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وغيرهم، ونادى نساء المسلمين، فهو ينبه بالنداء ويوقظ ويحرك، مشوقا من ينادى إلى ما سيلقى من معان. وتلك المعانى التى نادى لها رسول الله ﷺ أصحابه معان مهمة، كإفشاء السلام بينهم وإطعام الطعام وحسن الجوار وحفظ فرائض الله تعالى وحج بيت الله الحرام وتجنب الغرور والطغيان والاستعداد ليوم النشور ، وغير ذلك من الأمور المهمة التي اقتضت أن ينبه لها النبى وأن يهيئ لتلقيها وحسن استقبالها والإصغاء إليها، فيؤدى ذلك إلى المبادرة لامتثالها والاستجابة لها. من ذلك ما جاء عن عبد الله بن عباس رضى الله تبارك وتعالى عنهما أنه قال: كنت خلف النبي يوما فقال: " يا غلام إنى أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف " (1). فقد ناداه صلى الله عليه وسلم" يا "غلام" وآثر النداء بالحرف الموضوع لنداء البعيد "يا" والمنادى شديد القرب منه، قد أردفه صلى الله عليه وسلم معه على دابته لينبهه إلى عظم هذه المعاني التي نودى من أجلها فيشتد شوقه إليها ويلقى سمعه فتقع في نفسه وتقر بداخله فيكمل نفعها (۲) . ويزداد التشويق بقوله صلى الله عليه وسلم عقب النداء : " إنى أعلمك" فإن المؤمن ليلقى السمع متلهفا إلى تعليم النبى صلى الله عليه وسلم الذى أخبر به، وقد جمعت "كلمات" جمع قلة، إذ جمع المؤنث السالم من جموع القلة ليؤذن هذا الجمع بأنها كلمات قليلة في ألفاظها يسهل حفظها، ونكرت للدلالة على عظمها، فهى كلمات قليلة اللفظ عظيمة النفع، وهذا مما يضاعف من التشوق والتطلع إلى معرفة هذه الكلمات والوقوف عليها والإحاطة بها. وبعد أن نبه المخاطب وشوق وأصبح مهيأ للتلقي، بل ازداد تلهفه إلى تعلم تلك الكلمات، يلقى إليه صلى الله عليه وسلم بها فيقول : " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف "د.بسيوني عبدالفتاح · التشويق في الحديث النبوي طرقه وأغراضه0قبس