خيرت شلبي
(1357هـ / 1938م — 1432هـ / 2011م)
ملامح العالَم الروائي
في الأدب العربي الحديث أصوات كثيرة كتبت عن الفقراء، لكن قليلًا منها من كان فقيرًا بحقٍّ، يعرف رائحة الطين والفَحم والبصل المقلي معرفةَ من عاشها لا من رواها. خيرت شلبي واحدٌ من هؤلاء القلائل؛ روائي مصري ولد في قرية «ميت يزيد» بمحافظة القليوبية، ونشأ في أحضان الريف والشعب، وحمل هذا الميراث الإنساني الثقيل إلى الكتابة، فغدا أديب الهامش قبل أن تُعرَف هذه الكلمة وتُترجَم مصطلحًا أكاديميًا.
المسيرة والتكوين
نشأ خيرت شلبي في بيئة متواضعة، وشهد في طفولته المبكرة تلك الحياة الريفية البسيطة التي ستشكّل لاحقًا مادة أدبه الأولى. انتقل بعد ذلك إلى القاهرة حيث التحق بمجالات العمل الصحفي والإذاعي، ووسّع آفاقه بالاحتكاك بالوسط الثقافي المصري في سنواته الذهبية، وبالاطلاع على الأدب العربي والعالمي. لكن جذوره لم تنقطع؛ ظلّ يعود إليها في كل عمل، ليَرسم بها صورة مصر التي لا تظهر في الخطابات الرسمية ولا في البيانات الحكومية: مصر الحارات والأزقة والسوق الشعبي وسُكّان الأرض.
أعماله الروائية وسماتها
أنتج خيرت شلبي عددًا ضخمًا من الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات، وكان من بين أكثر الكتّاب المصريين غزارةً وتنوعًا في إنتاجه. ولعل أبرز رواياته «وكالة عطية» التي تدور في وكالات القاهرة القديمة ومآوي الغلابة، وتُعدّ من أكثر النصوص تعبيرًا عن روحه الأدبية. وكذلك «السنيورة» و**«الوتد»** و**«فتوات بولاق»** و**«رحلات الطرشجي الحلوجي»**، وهي رواية احتفى بها النقاد احتفاءً بالغًا لكونها نموذجًا فريدًا في السرد الشعبي المركّب. وقد امتدّت كتاباته أيضًا إلى التوثيق الثقافي والتراثي؛ إذ تناول التراث الشعبي المصري بنظرة باحث ومحبّ في آنٍ واحد.
تتميّز عوالمه الروائية بجملة من الخصائص الأسلوبية الراسخة: فهو يوظّف اللهجة العامية المصرية توظيفًا ذكيًا بلا إسراف مبتذَل، بحيث تخدم البناء الدرامي وتُعمّق الشخصيات دون أن تطغى على اللغة الفصيحة. وشخصياته لا تُقطَّر من الخيال بل تُعجَن من الواقع المعيش، فيها من حارات القاهرة والنيل الأخضر والموالد الشعبية ما يجعلها قابلة للتعرّف على الفور. أما الزمان في رواياته فنادرًا ما يكون خطيًّا؛ يتمدد ويتعقد ويلتوي، معكوسًا على طبيعة الحياة الشعبية التي لا تسير في مسارات مستقيمة.
الشعبي بوصفه رؤية لا موضوعًا
ما يُفرّق خيرت شلبي عن سواه ممن كتبوا عن الشعب هو أنه لم يكن ينظر إلى الفقراء والهامشيين نظرةً من فوق، أو يُعاملهم كمادة سردية للإثارة أو العطف. كان يكتبهم بالمستوى ذاته، بل بمحبة تلقائية تشعر بها في طريقة التعامل مع أحزانهم وأفراحهم على السواء. الكرامة الإنسانية في رواياته ليست شعارًا يُرفع، بل هي نسيج الحكاية نفسها؛ حتى في أشد مواضعها بؤسًا وهشاشة.
مكانته في المشهد الأدبي
يُصنَّف خيرت شلبي في الصف الأمامي من الرواية المصرية في النصف الثاني من القرن العشرين، وإن ظلّ أقل شهرةً جماهيريةً مما تستحقه موهبته مقارنةً ببعض أقرانه. يراه كثير من النقاد المعنيين بالسرد الشعبي امتدادًا لتقليد ملحمي ضارب جذوره في الحكاية الشفهية المصرية، ومجدّدًا لها في آنٍ واحد بأدوات الرواية الحديثة. حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2008م، في اعتراف متأخّر بتجربة أدبية استحقّت الاحتفاء قبل ذلك بسنوات طويلة.
خاتمة
رحل خيرت شلبي عام 2011م تاركًا وراءه أرشيفًا روائيًا هو بمثابة وثيقة حياة لمصر التي لم تُصوَّر في الأفلام الفاخرة ولم تُكتَب في البيانات الرسمية. كان أمينًا لأصله وأمينًا لكتابته، يؤمن بأن الأدب الحقيقي لا يُستدعى من الخيال المجرّد، بل يُستلّ من رحم التجربة الإنسانية الفعلية في أبسط تجلّياتها وأعمقها معًا.
