شعب الإيمان
البيهقي (384هـ / 994م — 458هـ / 1066م)
التعريف بالكتاب ومؤلفه
"شعب الإيمان" موسوعة حديثية فقهية كبرى من أجلّ ما صنّفه الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الخراساني الشافعي، أحد أعظم علماء الحديث والفقه في القرن الخامس الهجري. والبيهقي عالم نادر الجمع بين علم الحديث رواية ودراية وبين الفقه الشافعي المتمكن وبين علم الكلام الأشعري، وقد وصفه كثير من العلماء بأنه لو شاء تأسيس مذهب فقهي مستقل لكان أهلاً لذلك بما يملك من أدوات الاجتهاد. و"شعب الإيمان" يُمثّل أكبر مشاريعه التأليفية وأعظمها أثراً في تاريخ الدراسات الحديثية.
«شعب الإيمان»:
ورد ذكر هذا الكتاب في مؤلفات البيهقي. وقد اختصر القدماء اسمه فقالوا "شعب الإيمان"، وجاء في "منتخب سياق نيسابور": "الجامع لشعب الإيمان".
أما المتأخرون فذكروه باسمه الكامل "الجامع المصنف في شعب الإيمان".
والبيهقي نفسه أشار إليه باسم "الجامع"
فكرة الكتاب ومنطلقه
ينبثق الكتاب من حديث نبوي شريف رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان." فانطلق البيهقي من هذا الحديث مشروعاً علمياً ضخماً يسعى فيه إلى حصر شعب الإيمان وتفصيلها وإيراد الأحاديث والآثار الدالة على كل شعبة منها. وقد كانت هذه الفكرة من قبله موضع اهتمام عدد من العلماء، لكن أحداً لم يُوفّها حقها من الاستيعاب والتفصيل كما فعل البيهقي في هذا الكتاب الضخم.
حجمه وتصنيفه
يقع الكتاب في أكثر من أربعة عشر مجلداً في طبعاته المحققة الحديثة، ويضم قرابة عشرة آلاف حديث وأثر موزعة على سبع وسبعين شعبة من شعب الإيمان. وهذا الحجم الضخم يجعله واحداً من أكبر الموسوعات الحديثية في التراث الإسلامي، لا يُضاهيه في الاتساع من كتب الحديث المرتبة على هذا النحو إلا القليل.
وقد رتّب البيهقي شعب الإيمان ترتيباً هرمياً يبدأ من أعلاها وأجلّها وهي شعب القلب من توحيد وإيمان وتعظيم ومحبة وخوف ورجاء وتوكل، ثم ينتقل إلى شعب اللسان من تلاوة وذكر ودعاء وتعليم، ثم إلى شعب الجوارح من صلاة وزكاة وصيام وحج وجهاد وسائر أعمال البدن. وهذا الترتيب يُجسّد رؤية البيهقي الفقهية والعقدية في أن الإيمان قول وعمل واعتقاد.
أبرز محاوره ومضامينه
شعب الاعتقاد — يبدأ البيهقي بالشعب القلبية الاعتقادية التي تُشكّل أساس الإيمان وجوهره؛ من الإيمان بالله وتوحيده وأسمائه وصفاته، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر. ويُورد في هذه الأبواب أحاديث وآثاراً مع تعليقات فقهية وكلامية تكشف عن تمكّنه من علم الكلام الأشعري.
شعب العبادات — يُفصّل البيهقي شعب الإيمان المتعلقة بالعبادات تفصيلاً يجمع بين إيراد الأحاديث والفقه الشافعي في كل عبادة، مُبيّناً أن العبادات ليست مجرد أداء شكلي بل هي شعب حيّة من شعب الإيمان تُنميه وتُرسّخه.
شعب الأخلاق والمعاملات — من أجمل أبواب الكتاب وأكثرها ثراءً ما يختص بشعب الإيمان المتعلقة بالأخلاق والمعاملات؛ من الصدق والأمانة والحياء والعفة والجود والكرم والرفق والرحمة والعدل وصلة الرحم وحقوق الجيران وآداب الطعام والنوم والكلام. وهذه الأبواب تُقدّم صورةً شاملة للأخلاق الإسلامية مُؤصَّلةً بالحديث النبوي.
الحياء شعبة من الإيمان — يُفرد البيهقي للحياء باباً خاصاً يُعدّ من أجمل أبواب الكتاب، ويُبيّن أن الحياء ليس ضعفاً بل خُلُق رفيع يكبح النفس عن القبيح ويدفعها إلى الجميل، وأنه من أدلّ الدلائل على حياة القلب وصحته.
إماطة الأذى عن الطريق — لا يُغفل البيهقي حتى أدنى شعب الإيمان كما وردت في الحديث وهي إماطة الأذى عن الطريق، ويُعلي من شأنها ويُبيّن أن تعظيم هذه الشعبة الصغيرة في الظاهر هو بعينه تعظيم الإيمان الذي أرشد إليها.
منهجه في الكتاب
يسير البيهقي في "شعب الإيمان" على منهج علمي دقيق يُميّزه عن كثير من مؤلفات الحديث في عصره:
التوسع في الاستيعاب — يسعى إلى إيراد كل ما يتعلق بالشعبة من أحاديث وآثار عن الصحابة والتابعين، سواء أكانت صحيحة أم ضعيفة مع التنبيه على ضعفها، مما يجعل الكتاب مرجعاً للحديث الصحيح والضعيف معاً في هذه الأبواب.
التعليق الفقهي — لا يكتفي بإيراد الأحاديث بل يُعلّق عليها تعليقات فقهية يستنبط منها الأحكام ويُبيّن وجوه الاستدلال، مما يجعل الكتاب جامعاً بين الحديث والفقه جمعاً نادراً.
الترتيب التدرّجي — ترتيبه للشعب من الأعلى إلى الأدنى ومن الباطن إلى الظاهر ترتيب يعكس رؤية فقهية وروحية في الوقت ذاته، ويُبيّن أن الإيمان بنيان متماسك تتدرج طبقاته ولا يُستغنى عن طبقة لصالح أخرى.
الجمع بين الرواية والدراية — يُحكم البيهقي الجمع بين رواية الحديث بأسانيده وبين دراية نقده وتمييز صحيحه من ضعيفه، وهو في هذا يُظهر تمكّناً نادراً من علم الرجال ومصطلح الحديث.
قيمته العلمية
تنبثق القيمة العلمية لـ"شعب الإيمان" من مستويات متعددة:
فهو أولاً مرجع حديثي لا غنى عنه في أبواب الإيمان والأخلاق والسلوك، يحتوي على أحاديث وآثار لا توجد مجموعةً هذه الجمعة في مصدر آخر. وقد رجع إليه المحدّثون المتأخرون كثيراً في تخريج الأحاديث المتعلقة بهذه الأبواب.
وهو ثانياً مرجع فقهي يكشف عن فقه البيهقي الشافعي المتمكن وطريقته في الاستنباط من الحديث، وقد اعتمده الفقهاء الشافعيون مصدراً للأحاديث التي يستدلون بها في مؤلفاتهم الفقهية.
وهو ثالثاً وثيقة حضارية تُصوّر المنظومة الأخلاقية والروحية الإسلامية في أوفى صورة وأشملها، إذ يُقدّم الإسلام نظاماً متكاملاً يشمل الاعتقاد والعبادة والخلق والمعاملة في وحدة لا تتفكك.
أثره في العلماء اللاحقين
أثّر "شعب الإيمان" تأثيراً بالغاً في كثير من العلماء الذين جاؤوا بعد البيهقي؛ فقد أفاد منه الغزالي في "إحياء علوم الدين" إفادةً جليةً في أبواب شتى، وكان من أهم مصادره الحديثية وإن أخذ عليه بعض العلماء روايته لأحاديث ضعيفة لم يُنبّه على ضعفها. واستفاد منه ابن القيم في كتبه السلوكية، وكذلك كثير من علماء الأخلاق والتصوف السني الذين وجدوا فيه مادةً حديثية غنية لبناء منظومتهم التزكوية.
تحقيقه وطبعاته
نال "شعب الإيمان" في العصر الحديث عناية تحقيقية واسعة؛ إذ صدرت له طبعة محققة كبيرة بتحقيق الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد في أربعة عشر مجلداً، وهي من أوثق طبعاته وأكثرها استيفاءً. وقد صدرت قبلها وبعدها طبعات أخرى متفاوتة الجودة، وظل الكتاب من أكثر الموسوعات الحديثية الكبرى حضوراً في المكتبات الشرعية ومراكز الدراسات الإسلامية.
يبقى "شعب الإيمان" بعد عشرة قرون من تصنيفه صرحاً علمياً يشهد على عبقرية البيهقي الجامعة، وعلى رؤية إسلامية عميقة ترى أن الإيمان ليس تصديقاً قلبياً مُجرَّداً بل شجرة حيّة تمتد جذورها في القلب وتتفرع أغصانها في كل جوانب الحياة من العبادة إلى الخلق إلى المعاملة إلى أدق التفاصيل اليومية حتى إماطة الأذى عن الطريق.


