نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
المقري التلمساني (986هـ / 1578م — 1041هـ / 1632م)
التعريف بالكتاب ومؤلفه
"نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" موسوعة أدبية تاريخية كبرى تُعدّ من أعظم ما أنتجه قلم عربي في التأريخ للحضارة الأندلسية وتوثيق أعلامها وآدابها، صنّفها الإمام الأديب أبو العباس أحمد بن محمد المقري التلمساني العالم المغربي الأصل الذي قضى معظم حياته بين المغرب ومصر والشام. والمقري عالم جامع برع في الحديث والفقه المالكي وعلوم العربية والأدب والتاريخ، وكان إمام جامع الأزهر فترة من الفترات. وقد جاء "نفح الطيب" خاتمة مسيرته التأليفية وتاج إنتاجه العلمي، فأفنى فيه خلاصة ما جمعه من مصادر الأندلس وما استوعبه من أدبها وتاريخها على مدى عقود.
دواعي التأليف وظروفه
تُحيط بتأليف الكتاب ظروف إنسانية وحضارية تزيد من قيمته وتكشف عن المعنى العميق الكامن وراءه؛ فالمقري لم يطأ الأندلس قط، بل كان يكتب عن حضارة انقضت منذ قرن وصار وطنها غريباً في وطنه. وقد صنّف الكتاب في دمشق حين طلب إليه أصدقاؤه من علماء الشام أن يُحدّثهم عن الأندلس ويُعرّفهم بأعلامها، فانبرى المقري لهذا الطلب بحماس من يحمل في قلبه وجعاً حضارياً عميقاً تجاه هذا الفردوس المفقود. وكأن الكتاب في أعماقه نوع من الاسترداد الرمزي لأندلس أُخذت بالسيف فلم يبق منها إلا الذاكرة والكلمة، فأراد المقري أن يُخلّد هذه الذاكرة ويُديم هذه الكلمة.
تصنيفه وأقسامه
يقع الكتاب في ثمانية أجزاء ضخام تنقسم على قسمين كبيرين متكاملين:
القسم الأول: تاريخ الأندلس وحضارتها — وهو يشمل الجغرافيا الأندلسية ووصف مدنها وأنهارها وجبالها وطبيعتها، وتاريخ الفتح الإسلامي وما تلاه من حقب سياسية متعاقبة من الدولة الأموية إلى ملوك الطوائف إلى المرابطين والموحدين حتى الانهيار الأخير. وفي هذا القسم يُقدّم المقري سيرةً موسوعية للحضارة الأندلسية في أبعادها السياسية والعلمية والعمرانية والاجتماعية.
القسم الثاني: لسان الدين ابن الخطيب — وهو قسم كبير مستقل يُكرّسه المقري بالكامل للترجمة للوزير الأديب الكبير لسان الدين ابن الخطيب (713هـ — 776هـ)، الذي يراه خلاصة الحضارة الأندلسية وتجسيداً لأرقى ما أنتجته من عقل وأدب وشعر وفكر. وقد أولى المقري لابن الخطيب هذا الاهتمام الاستثنائي لأنه رأى فيه العبقرية الأندلسية في صورتها الأكمل، وكأنه اختاره رمزاً لكل ما ضاع مع ضياع الأندلس.
مصادره الضخمة
ما يُدهش في "نفح الطيب" حجم المصادر التي استقى منها المقري مادته الضخمة؛ فقد أفاد من مئات الكتب التي جمعها على مدى حياته، كثير منها لم يصل إلينا ولم نعرف عنه إلا من خلال ما نقله المقري. ومن أبرز مصادره التي أفاد منها إفادةً واسعة:
"الإحاطة في أخبار غرناطة" لابن الخطيب نفسه، و**"أعمال الأعلام"** له أيضاً، و**"المغرب في حلى المغرب"** لابن سعيد الأندلسي، و**"جذوة المقتبس"** للحميدي، و**"بغية الملتمس"** للضبي، و**"الذخيرة"** لابن بسام، و**"المطمح"** لابن خاقان، وعشرات غيرها من المصادر الأندلسية التي صارت اليوم في حكم المفقود أو النادر، مما يجعل "نفح الطيب" الناقل الأمين لتراث ضخم لولاه لضاع.
الأدب والشعر في الكتاب
يحتل الشعر والأدب الأندلسي مساحةً شاسعة من الكتاب يُقدّم فيها المقري أنثولوجيا شعريةً ونثريةً لا نظير لها في توثيق الأدب الأندلسي؛ فيُورد قصائد كاملة ومقطوعات ورسائل أدبية لعشرات الأدباء والشعراء الأندلسيين من مختلف العصور. وهذا الكنز الأدبي الضخم يجعل الكتاب في الوقت ذاته ديواناً موسوعياً للأدب الأندلسي يحفظ نصوصاً كثيرة لم تُحفظ في مصدر آخر.
ومن أجمل ما في هذا الجانب أن المقري لا يُورد الشعر والنثر إيراداً ميتاً بل يُعلّق ويُقوّم ويُبدي رأيه، فتجد بين ثنايا الكتاب نقداً أدبياً متناثراً يكشف عن ذوق أدبي متمكن ورؤية نقدية واضحة.
وصف الأندلس
من أجمل ما في الكتاب وأكثره تأثيراً في القارئ أبواب وصف الأندلس وطبيعتها ومدنها؛ فالمقري يصف قرطبة وإشبيلية وغرناطة والمدينة الزهراء وسائر حواضر الأندلس وصفاً يجمع بين دقة المؤرخ وحرارة العاشق المفجوع. وكأنه يصف جنةً فُقدت لا مدنٌ هُجرت، وفي هذه الأوصاف يتبيّن القارئ أن المقري لم يكن يكتب تاريخاً محايداً بل كان يُؤبّن حضارةً فارقت الدنيا وأحبّها وبكاها.
ولعل أشهر ما في هذه الأوصاف ما نقله من قصيدة صفي الدين الحلي التي يُعبّر فيها عن حسرة المسلمين على فقدان الأندلس، وما رواه من أخبار آخر ملوك غرناطة وسقوط المدينة وبكاء أبي عبد الله الصغير آخر ملوكها.
فقه الحضارة في الكتاب
لا يكتفي المقري في "نفح الطيب" بالتوثيق والرواية بل يتجاوزهما إلى شيء يُشبه فقه الحضارة؛ فهو يُتأمّل في أسباب ازدهار الأندلس وأسباب سقوطها، ويُلمح إلى دروس التاريخ التي تُستخلص من هذه التجربة الحضارية الاستثنائية. وهو يرى أن الأندلس لم تسقط لأن الإسلام أخفق فيها بل لأن أهلها أخفقوا في التمسك بما جعل الإسلام يُزهر فيها، وهذه الرؤية تجعل الكتاب في أعماقه درساً حضارياً لا مجرد توثيق تاريخي.
أسلوبه في الكتاب
يكتب المقري بأسلوب أدبي رفيع تتجلى فيه خلفيته المغربية الأندلسية التي ورثت من الأسلوب الأندلسي المزخرف شيئاً من بهجته ورونقه مع الحرص على الوضوح والاستيعاب. ولغته في مواضع الوصف والترجمة من أجمل ما كُتب في النثر العربي المتأخر، وهو يُحسن الانتقال بين التاريخ الجاف والأدب الرقيق والنقد الموضوعي دون أن تشعر بتعسّف في الانتقال أو تنافر في الأسلوب.
قيمته الموسوعية
تكمن القيمة الاستثنائية لـ"نفح الطيب" في أنه يُمثّل الموسوعة الأشمل والأوفى في تاريخ الحضارة الأندلسية؛ فلا يكاد باحث في أي جانب من جوانب هذه الحضارة من تاريخ أو أدب أو شعر أو تراجم يستغني عن الرجوع إليه. وقد غدا مرجعاً لا يُستغنى عنه للمستشرقين الغربيين الذين اهتموا بالأندلس، ويُعدّ بحق ميراثاً ثقافياً جامعاً يحفظ ذاكرة حضارة انقضت وأبقى على روحها حيّة متجددة في كل من يفتح صفحاته.
تحقيقه وطبعاته
نال "نفح الطيب" عنايةً تحقيقيةً واسعة في العصر الحديث؛ فمن أبرز تحقيقاته تحقيق إحسان عباس الذي صدر في ثمانية أجزاء عن دار صادر في بيروت، وهو التحقيق الأكثر اعتماداً عند الباحثين لما بذل فيه من جهد علمي في توثيق النصوص وتخريج الشواهد وإعداد الفهارس الشاملة. وقد صدرت قبله وبعده طبعات متعددة تشهد على الإقبال المستمر على هذا الكتاب الذي لا يشيخ.
يبقى "نفح الطيب" في تاريخ الثقافة العربية شاهداً على أن الحضارات لا تموت كلياً ما دام فيها من يُؤمن بأن الكلمة وحدها تستطيع أن تُقاوم النسيان وتُعيد لما ذهب شيئاً من حضوره وبهائه. وفي هذا الكتاب الضخم تجد الأندلس كلها بمجدها وعلمائها وشعرائها وحدائقها وقصورها وأنهارها، كأن المقري أبى أن تُطفأ هذه الجمرة فجمعها بين دفتيه وأودعها الأبد.
