أبو الطيب المتنبي (915–965)
أمير الشعراء العرب وأعظم شاعر في تاريخ اللغة العربية
حياته
وُلد أحمد بن الحسين الجعفي في مدينة الكوفة بالعراق، ونشأ في حي يسكنه الفقراء والكندّيون، فنُسب إلى كندة نسبةً اختلف فيها المؤرخون. تلقّى علومه في الكوفة وبادية الشام، وأمضى فترة في البادية بين قبائل العرب يستقي من ينابيع اللغة الأصيلة وينهل من أساليب الفصاحة الخالصة، فكانت تلك الإقامة من أعمق الروافد التي صنعت شاعريته الفذّة. ادّعى في شبابه النبوة وهو في نحو التاسعة عشرة من عمره، فاعتُقل وسُجن سنتين ثم تاب وخرج، ولقبه الغريب المتنبي إنما جاء من هذه الحادثة التي لاحقته طوال حياته.
تنقّل بين بلاط الأمراء والحكام باحثاً عمّن يليق بشعره ويستحق مدحه، فمدح وهجا وافتخر، وكان في كل هذا يضع نفسه فوق الجميع. أطول محطاته وأخصبها كانت في بلاط سيف الدولة الحمداني في حلب حيث أمضى نحو تسع سنوات كانت الأجمل في حياته والأغزر في إنتاجه، في جوٍّ من الفروسية والعلم والشعر لم يجده في غيره. ثم رحل إلى مصر ومدح كافوراً الإخشيدي طمعاً في ولاية، فلما أُخلف وعده هجاه هجاءً مرّاً مقذعاً لا يزال يُقرأ ويُحفظ. توجّه بعدها إلى بلاط عضد الدولة البويهي في فارس وحظي عنده حظوةً كبيرة، وفي طريق عودته من شيراز إلى الكوفة نصب له فاتك بن أبي جهل الأسدي كميناً وقتله في معركة غير متكافئة، وكان سبب ذلك قصيدة هجاء قالها المتنبي في والد فاتك، فمات الشاعر الأكبر في خمسينيات عمره قتيلاً بسيف ما كان يجب أن يُسلّ.
مكانته الشعرية
لم يتوقف الجدل حول المتنبي منذ حياته حتى اليوم، لكنه جدل يدور في فلك الاعتراف بعبقريته لا في شكّها. أجمع النقاد والأدباء عبر الأجيال على أنه أعظم شاعر نطق بالعربية على الإطلاق، وأن شعره بلغ من الإحكام والعمق والجمال ما لم يبلغه غيره. قرأه العلماء واللغويون والفلاسفة والحكام والعامة، وحُفظت أبياته حتى صارت مضارب الأمثال، وتداولتها الألسنة حتى نسي كثيرون أنها شعر ظنّوها كلاماً منثوراً متوارثاً.
كتب فيه العلماء المئات من الكتب والشروح، وكان أبرزها شرح ابن جني وشرح الواحدي وشرح العكبري، وكلها شهادات على أن شعره لا يُستنفد بقراءة واحدة ولا يُحاط بفهم عابر.
أبرز موضوعات شعره
الفخر والاعتداد بالنفس — لم يمدح المتنبي أحداً إلا وجعل نفسه أكبر من الممدوح، وكان افتخاره بنفسه من أرقى فخر قيل في الشعر العربي، لأنه لم يكن غروراً جوفاء بل وعياً حاداً بقيمة موهبته الاستثنائية.
الحكمة — أبياته الحكمية من أكثر ما يُحفظ ويُتداول، وهي حكمة نابعة من تجربة إنسان عاش بعيون مفتوحة في عصر مضطرب، لا حكمة الكتب والمكتبات.
المدح — بلغ في مدائح سيف الدولة ذروة لم تُبلغ في تاريخ الشعر العربي، ومزج فيها بين الإطراء والصورة الشعرية الباهرة والغيرة المضمرة في آنٍ واحد.
الهجاء — هجاؤه لكافور من أشهر الهجاء في العربية وأمضاه، يجمع بين حدّة السكين وأناقة الصياغة.
وصف الطبيعة والحرب — أجاد في وصف المعارك وصفاً يجعل القارئ يسمع صهيل الخيل ويرى بريق السيوف، كما رسم المرض والحمى في قصائد تجعل الألم الجسدي شعراً خالصاً.
الرثاء — رثاء أم سيف الدولة من أعمق المراثي العربية وأكثرها تأثيراً، يصوّر الحزن الإنساني في أبهى صوره الشعرية.
شخصيته
كان المتنبي شخصية لا تقبل الوسط ولا تُطيق المهانة، يرى نفسه أكبر من أي بلاط يحلّ فيه وأعلى من أي أمير يمدحه، وكان هذا الإحساس بالتفوق مصدر عظمته ومصدر مأساته في آنٍ واحد. فرّ أمام الأعداء مرةً ثم عاد ليموت في مواجهتهم لأن أحدهم ذكّره بقوله الشهير في الفرار، فأبى الشاعر الكبير أن يكذّب شعره بفعله مرتين.
أثره في الحضارة العربية
لا مبالغة في القول إن المتنبي أثّر في اللغة العربية تأثيراً يتجاوز أثر معظم النحاة والمعجميين، فقد أثرى المعجم الشعري بصور وتراكيب لم تُعرف قبله، ورفع سقف توقعات القارئ العربي من الشعر إلى مستوى لم يُبلَغ بعده. وكان من أفصح من نطقوا بالعربية ومن أعلمهم بمواطن قوتها وجمالها.
مات المتنبي قتيلاً لكنه كان قد أتمّ رسالته، وترك ديواناً يُثبت أن العربية لغة قادرة على أن تحمل أعمق ما في الإنسان من كبرياء وحكمة وجمال وألم.
