مجلة المنار
التعريف بالمجلة
مجلة المنار مجلة إسلامية إصلاحية شهرية، أسّسها العلامة محمد رشيد رضا في القاهرة عام 1315هـ / 1898م، واستمرت في الصدور سبعةً وثلاثين عاماً متواصلة حتى وفاة مؤسسها عام 1354هـ / 1935م، لتكون بذلك من أطول التجارب الصحفية الإسلامية عمراً وأعمقها أثراً في تاريخ الفكر العربي والإسلامي الحديث.
نشأتها وفكرتها
كانت فكرة المنار وليدة اللقاء العظيم بين رشيد رضا وشيخه محمد عبده، فحين قدم رشيد رضا إلى مصر محمولاً بحماسة الشباب وأشواق الإصلاح، وجد في محمد عبده المعلمَ الذي طالما حلم به، فاتفقا على إنشاء منبر يحمل مشروعهما الإصلاحي إلى أرجاء العالم الإسلامي. وقد كان رشيد رضا هو المحرك الفعلي للمجلة ومحررها الرئيسي طوال مسيرتها، بينما كان محمد عبده الروح الفكرية التي أمدّتها بعمقها وهيبتها حتى وفاته عام 1905م.
اختار رشيد رضا لمجلته اسم "المنار" تفاؤلاً بأنها ستكون نوراً يهدي المسلمين في ظلمات التخلف والانحطاط، وإيماءً إلى مجلة "العروة الوثقى" التي كان الأفغاني وعبده يُصدرانها من باريس والتي أثّرت فيه تأثيراً بالغاً في شبابه.
منهجها ومحاورها الكبرى
لم تكن المنار مجلة دينية بالمعنى التقليدي الضيق، بل كانت منبراً شاملاً يعالج قضايا الأمة الإسلامية على أصعدة متعددة متشابكة:
في الإصلاح الديني، حملت المنار راية العودة إلى القرآن والسنة والتخلص من الخرافات والبدع والجمود التقليدي، ودعت إلى فتح باب الاجتهاد الذي رأت في إغلاقه سبباً رئيسياً من أسباب تأخر المسلمين.
في مواجهة الاستعمار والتبشير، كانت المنار من أشد الأصوات الإسلامية في وجه الاستعمار الغربي والمؤامرات التبشيرية التي كانت تستهدف تفكيك هوية المسلمين، وكشفت مخططاتهم بالوثائق والحجج.
في الوحدة الإسلامية، سعت إلى تجاوز الخلافات المذهبية والقطرية والتأسيس لوعي إسلامي جامع يتجاوز الحدود الجغرافية التي رسمها الاستعمار.
في مسائل الفقه والفتوى، أجابت المنار عن آلاف الأسئلة الواردة من مسلمي الأرض، من أقصى المغرب إلى أندونيسيا، في مسائل العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية وقضايا العصر الجديدة التي لم تكن الكتب القديمة تعرفها.
انتشارها وتأثيرها
بلغ انتشار المنار مدىً لم تبلغه مجلة إسلامية أخرى في عصرها؛ فقد وصلت إلى المسلمين في مصر والشام والعراق والحجاز والهند وإيران وتركيا وإندونيسيا وأفريقيا والمغرب العربي وحتى مسلمي أوروبا وأمريكا. وكانت تُقرأ في المساجد والمدارس والمجالس الثقافية، وتتداولها الأيدي حتى تتهرأ صفحاتها. وقد شكّلت وعي جيل كامل من العلماء والمثقفين المسلمين الذين تشرّبوا أفكارها وحملوا روحها إلى بلدانهم.
أثرها في الحركات الإسلامية
كان لمجلة المنار دور محوري في بذر بذور الحركات الإسلامية الإصلاحية في القرن العشرين؛ فكثير من مؤسسي الحركات الإسلامية في مختلف البلدان نشأوا على قراءة المنار ونهلوا من فكرها. وقد أسهمت في تجسير الهوة بين السلفية النجدية والإصلاحية المشرقية، ونشرت أفكار الدعوة الوهابية في أوساط المثقفين الإسلاميين الذين كانوا ينفرون منها، مما جعلها حلقة وصل حضارية بين تيارات إسلامية متعددة.
تفسير المنار
من أبرز ما نشرته المجلة على صفحاتها تفسير المنار، الذي بدأ تدويناً لدروس محمد عبده في تفسير القرآن الكريم، ثم واصله رشيد رضا بعد وفاة شيخه مضيفاً إليه روحه وجهده ورؤيته، وكان يُنشر في المجلة أولاً ثم يُجمع في أجزاء مستقلة. وقد صار هذا التفسير من أعمدة التفسير الإصلاحي الحديث ومرجعاً لا يُستغنى عنه.
خاتمتها
لم تتوقف المنار بسبب إفلاس أو عجز، بل توقفت لأن صاحبها وروحها رشيد رضا فارق الحياة، ولم يكن لأحد أن يملأ هذا الفراغ الهائل. وحين صمتت المنار عام 1935م، صمت معها صوت كان يُسمع من المحيط إلى الخليج على مدى سبعة وثلاثين عاماً، وأحسّ المسلمون في كل مكان أن مرجعاً جمعهم على اختلاف بلدانهم وألسنتهم قد غاب إلى غير رجعة.
