صفحة كتاب

الخصائص

غلاف الخصائص
ابن جني
00 تقييم0 مراجعة

الخصائص

ابن جني (320هـ / 932م — 392هـ / 1002م)

التعريف بالكتاب

"الخصائص" كتاب من أعظم ما أنتجه العقل العربي في تاريخ الدراسات اللغوية، صنّفه الإمام أبو الفتح عثمان ابن جني، وهو أجلّ كتبه وأكثرها عمقاً وأبعدها أثراً في مسيرة الفكر اللغوي العربي. وإذا كان سيبويه قد أسّس النحو العربي في "الكتاب" تأسيساً وصفياً شاملاً، فإن ابن جني في "الخصائص" ارتفع بالدرس اللغوي إلى مستوى آخر هو مستوى التفسير والتعليل والتفلسف في اللغة، أي أنه لم يسأل كيف تعمل اللغة العربية فحسب، بل سأل لماذا تعمل على هذا النحو دون سواه، وما الذي يجعلها كما هي.

موضوعه وطبيعته

لا يندرج "الخصائص" تحت تصنيف واحد من تصنيفات العلوم المعهودة؛ فهو ليس كتاباً في النحو وحده، ولا في اللغة وحدها، ولا في البلاغة وحدها، بل هو مزيج فريد يجمع بين فقه اللغة وفلسفة اللغة وأصول النحو وعلم الدلالة وعلم الأصوات، في وحدة تجعله أشبه بموسوعة اللغة العربية الفكرية. يقع في ثلاثة أجزاء كبار تضم مئات الأبواب والمسائل، يتناول فيها ابن جني أعمق الأسئلة التي يمكن أن يطرحها عقل يتأمل في طبيعة اللغة الإنسانية وأسرارها.

المسائل الكبرى التي يعالجها

أولاً: أصل اللغة ونشأتها — يفتتح ابن جني كتابه بالسؤال الفلسفي الكبير: هل اللغة توقيف من الله أي أنها وحي إلهي علّمه الله للإنسان؟ أم هي اصطلاح من البشر أي أنهم تواضعوا عليها وتعارفوا؟ ويناقش الأدلة بعقل نافذ دون أن يُغلق الباب، ويميل إلى أن اللغة في أصلها محاكاة للأصوات الطبيعية ثم توسّعت بالاصطلاح والاستعمال، وهو رأي يستبق ما توصّل إليه كثير من اللغويين الغربيين في القرون التالية.

ثانياً: العلاقة بين اللفظ والمعنى — يبحث ابن جني في السؤال الجوهري: هل العلاقة بين الكلمة ومدلولها علاقة طبيعية ذاتية تجعل للفظ صلة فطرية بالمعنى الذي يحمله؟ أم هي علاقة اعتباطية اتفاقية لا رابط فيها سوى التواضع والعرف؟ ويميل إلى أن ثمة صلة بين الأصوات وما تدل عليه في كثير من الكلمات، ويضرب أمثلة دقيقة على التناسب بين الصوت والمعنى في العربية. وهذه القضية بالذات لا تزال من أكثر قضايا علم اللغة الحديث جدلاً وحيوية.

ثالثاً: القياس والسماع — يُعالج ابن جني الإشكال العميق في التشريع اللغوي: أيّهما أولى وأحق بالاتباع، القياس على ما عُرف من قواعد اللغة أم السماع عن العرب وإن خالف القياس؟ ويذهب إلى أن القياس حجة في اللغة حين يكون مبنياً على استقراء واسع، وأن ما شذّ عن القياس وصحّ سماعه يُقبل لكن لا يُقاس عليه. وهو بهذا يرسم حدوداً دقيقة بين ما هو قاعدة وما هو استثناء في منهج الدراسة اللغوية.

رابعاً: الاشتقاق وأسراره — يُفرد ابن جني أبواباً واسعة للاشتقاق بأنواعه، ويميّز بين الاشتقاق الصغير وهو ردّ الكلمة إلى أصلها الثلاثي مع الاشتراك في المعنى الجامع، والاشتقاق الكبير الذي يرى فيه أن الكلمات المتقاربة في الأصوات متقاربة في المعاني وإن تباعدت صياغتها، والاشتقاق الأكبر الذي يُقرّر فيه أن القلب كله أي تحويل ترتيب حروف الكلمة يظل في فلك المعنى الأصلي ذاته. وهذه رؤية جريئة في فهم العلاقات الدلالية بين الألفاظ العربية سبق بها ابن جني علم الدلالة الحديث في كثير من استنتاجاته.

خامساً: الدلالة الصوتية — من أجرأ ما في الكتاب وأكثره أصالة أن ابن جني يُقرّر أن للأصوات العربية دلالة ذاتية، وأن ثمة تناسباً بين طبيعة الحرف من حيث مخرجه وصفته وبين المعنى الذي تحمله الكلمة المبنية عليه. ويضرب أمثلة دقيقة يُبيّن فيها كيف أن الحروف الشديدة تميل إلى الكلمات الدالة على الشدة والصلابة، والحروف الرخوة تميل إلى الكلمات الدالة على اللين والسيولة. وهذا ما عُرف في اللسانيات الحديثة بـالأيقونية الصوتية أو الرمزية الصوتية، وقد أثار فيه علماء الغرب جدلاً واسعاً في القرن العشرين بينما سبقهم إليه ابن جني بعشرة قرون.

سادساً: التطور الدلالي والمجاز — يتناول ابن جني كيف تتسع دلالة الكلمة وتنتقل من معناها الأصلي الحقيقي إلى معانٍ مجازية ثم تستقر عليها حتى تصبح حقيقة في الاستعمال. ويُبيّن أن المجاز ليس زينة تُضاف على الكلام بل هو ظاهرة لغوية جوهرية تكشف عن طبيعة تطور اللغة وحيويتها واستجابتها للحاجات المتجددة.

سابعاً: الشذوذ اللغوي — يُعالج ابن جني بجرأة غير معهودة ظاهرة الشذوذ في اللغة العربية، ويرى أن الشذوذ ليس خطأ يُرفض بل هو ظاهرة تستحق الدراسة والتفسير، وكثيراً ما يكشف الشذوذ عن قانون أعمق لم يُدرَك بعد. وهذه النظرة في الشذوذ تُشبه إلى حدٍّ بعيد ما انتهى إليه علم اللغة الوصفي الحديث من رفض المعيارية الصارمة.

أسلوب ابن جني في الكتاب

يكتب ابن جني في "الخصائص" بأسلوب يجمع بين الدقة العلمية والحيوية الجدلية؛ فهو لا يُقرّر دون أن يستدل، ولا يستدل دون أن يُناقش، ولا يُناقش دون أن يستشهد بشواهد من القرآن الكريم والشعر العربي وكلام العرب. وهو يُحبّ أن يُصادم الرأي المشهور حين يجد فيه قصوراً، ولا يتحرج من مخالفة الأئمة السابقين إذا أداه الاستقراء إلى خلاف ما ذهبوا إليه. ويكثر في الكتاب الأسلوب الحواري الذي يفترض فيه سؤالاً أو اعتراضاً ثم يُجيب عنه، مما يجعل القراءة تجربة ذهنية نشطة لا استقبالاً سلبياً.

مكانة الكتاب في الدراسات اللغوية

يحتل "الخصائص" مكانة لا تُضاهى في تاريخ الدراسات اللغوية العربية؛ فهو يقف جنباً إلى جنب مع "الكتاب" لسيبويه باعتباره أحد ركيزتَي التراث النحوي واللغوي العربي، غير أنه يختلف عنه اختلافاً جوهرياً في طبيعته، فبينما "الكتاب" وصف وتقنين، "الخصائص" تساؤل وتعليل وتفلسف. ولا يكاد باحث في فقه اللغة العربية أو في تاريخ الدرس اللغوي العربي يستغني عنه مرجعاً وشاهداً. وفي العصر الحديث أعاد كبار اللغويين العرب كإبراهيم أنيس وتمام حسان ومحمد المبارك قراءته واستلهامه، فوجدوا فيه بذوراً لنظريات لغوية حديثة كانت تنمو في الغرب بينما كانت جذورها ضاربة في هذا الكتاب العربي القديم منذ أمد بعيد.

تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.

اقتباسات القرّاء

  • «كأن العرب إنما تحلى ألفاظها وتدبجها وتشيها وتزخرفها عناية بالمعاني التي وراءها وتوصلا بها إلى إدراك مطالبها»

    أضافه ابن يحيىقبس
  • «الألفاظ خدم للمعاني والمخدوم -لا شك- أشرف من الخادم»

    أضافه ابن يحيىقبس

أضف مراجعة

اكتب اقتباساً أو خاطرة

تسجيل الدخول مطلوب لإرسال اقتباس أو خاطرة.