صفحة مؤلف

ابن جني

ابن جني

ابن جني

أبو الفتح عثمان ابن جني

(320هـ / 932م — 392هـ / 1002م)

نسبه ومولده

هو أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، وُلد نحو عام 320هـ / 932م في الموصل بالعراق. وأبوه جني كان مملوكاً رومياً أعجمياً، وهو ما لم يخفه ابن جني قط ولم يُحسّ منه حرجاً، بل كان يضرب به المثل في أن النسب الحقيقي إنما هو نسب العلم لا نسب الدم، وأن من أعجبت الناس عبقريته نسوا أصله وانشغلوا بفضله. وقد صدق فيه هذا القول فعلاً، إذ صار اسمه علماً في النحو واللغة لا يُذكر إلا مقروناً بالإجلال والتعظيم.

نشأته وتكوينه العلمي

نشأ ابن جني في الموصل وبدأ تعلّمه فيها، وأظهر منذ حداثته شغفاً استثنائياً باللغة العربية ودقائقها وأسرارها. وقد كان أعظم محطات تكوينه لقاؤه في الموصل بإمام النحو في زمانه أبي علي الفارسي، فلازمه ملازمة لم تنقطع قرابة أربعين عاماً، وتنقّل معه بين الموصل وبغداد وسائر البلاد، وكان أبو علي يُجلّه ويُقدّره تقديراً يفوق ما يُقدَّم به تلميذ على شيخه. وقد حُكي أن أبا علي الفارسي كان يقول عنه: "أبو الفتح أنحى مني" أي أعمق فهماً للنحو وأدق استدلالاً فيه، وهي شهادة لا يُقدّمها عالم كبير إلا لمن تحقّق فيه العظمة.

وحين وفد ابن جني بغداد واستقر فيها صارت مجالسه العلمية من أبرز المجالس في حاضرة الخلافة العباسية، ودرّس في ديوان الإنشاء وغيره، واتصل بكبار أدباء عصره وشعرائه.

صداقته بالمتنبي

من أبرز ما يُميّز سيرة ابن جني صداقته العميقة التي جمعته بالشاعر العملاق أبي الطيب المتنبي، وكانت صداقة نادرة في تاريخ الأدب العربي؛ صداقة عالم لغوي مع شاعر موهوب، يُشرح فيها العلمُ الشعرَ ويُغذّي الشعرُ العلمَ. فقد لازم ابن جني المتنبي سنوات طويلة وروى شعره وشرحه، وكانت بينهما مساجلات ومحاورات تكشف عن عمق التفاهم بينهما. وقد ترك ابن جني شرحاً لديوان المتنبي يُعدّ من أهم الشروح التي كُتبت له، ومرجعاً لا يستغني عنه من أراد فهم شعره فهماً لغوياً دقيقاً.

منهجه العلمي

تميّز ابن جني بمنهج علمي خاص لم يكن مألوفاً كثيراً قبله؛ فهو لا يُوثّق اللغة من الخارج بجمع الشواهد وتسجيل الروايات فحسب، بل يغوص إلى الأسرار الداخلية للغة ويتساءل عن لماذا لا عن ماذا فقط. وهو يرى أن اللغة ليست مجموعة اتفاقات اعتباطية بل هي بنيان له منطقه الداخلي وأسراره المتماسكة، وأن مهمة العالم اللغوي الحق هي الكشف عن هذه الأسرار لا الاكتفاء بتسجيل الظواهر. ولذلك كان في كتبه يُصادم الرأي السائد ويُراجع ما قرّره السابقون حين يجد الدليل يأبى ذلك، وكان يستأنس بالاستقراء الواسع ويرفض الحكم على اللغة من شواهد قليلة.

أبرز مؤلفاته

الخصائص — وهو أعظم كتبه وأكثرها تأثيراً، ويُعدّ من أجلّ ما كُتب في فقه اللغة العربية وفلسفتها. يبحث فيه في أصل اللغة وطبيعتها ونشأتها، ويُعالج مسائل من أعمق المسائل اللغوية كالعلاقة بين اللفظ والمعنى، وظاهرة الاشتقاق، وأسرار البنية الصوتية للكلمة العربية، وقضايا القياس والسماع. وقد جاء الكتاب في ثلاثة أجزاء ضخام تضم مئات المسائل اللغوية الدقيقة المعالَجة بعقل نافذ وأسلوب متمكّن.

سرّ صناعة الإعراب — كتاب نفيس يبحث في أسرار الأصوات اللغوية وعلم الأصوات بمفهومه الحديث، ويُعالج ظاهرة الإعراب وعلله وأسراره، وفيه من العمق ما يجعله سابقاً لكثير مما توصّل إليه علم الأصوات الحديث.

المحتسب — كتاب نادر في نوعه، يدرس فيه القراءات القرآنية الشاذة دراسة لغوية نحوية، ويكشف عن الوجوه التي تُحتج بها هذه القراءات، فيجمع بين خدمة علوم القرآن والإفادة من شواهدها في الاستدلال النحوي.

اللمع في العربية — مختصر نحوي رصين يكشف عن قدرته على تقديم العلم في أسلوب ميسّر دون إخلال بالدقة.

شرح ديوان المتنبي — شرح لغوي أدبي يكشف عن جانب آخر من عبقريته، وهو فهم الشعر ومداخله اللغوية الخفية.

فضلاً عن كتب ورسائل أخرى كثيرة تدل مجموعها على إحاطة موسوعية نادرة.

إسهامه في فقه اللغة وفلسفتها

يُعدّ ابن جني رائداً حقيقياً في ما يُسمّى اليوم فقه اللغة وفلسفة اللغة؛ فهو الذي طرح بجرأة وعمق أسئلة من قبيل: هل اللغة توقيف من الله أم اصطلاح من البشر؟ وما العلاقة الحقيقية بين اللفظ ومدلوله؟ وهل هي علاقة طبيعية ذاتية أم اعتباطية اتفاقية؟ وكيف تتطور الألفاظ وتنتقل من معانيها الأصلية إلى معانٍ مجازية ثم تستقر عليها؟ وهذه أسئلة لم تزل حيّة في الدرس اللساني الحديث، وما توصّل إليه ابن جني من إجابات عنها يستحق أن يُقرأ ويُقارن بما انتهى إليه اللغويون المحدثون.

وكان ابن جني أول من أولى الظاهرة الصوتية في العربية عناية منهجية عميقة، فدرس المخارج والصفات والتناسب الصوتي بين الحروف والمعاني في الكلمة الواحدة، وأسّس بذلك لما يُعرف اليوم بـالدلالة الصوتية أو الأيقونية الصوتية، وهو مجال لا يزال الباحثون المحدثون يعودون إليه يستلهمون.

مكانته بين علماء اللغة

وضع العلماء ابن جني في مرتبة رفيعة لا يُنازَع فيها؛ فهو عند كثيرين أدق النحويين نظراً وأعمقهم تفكيراً في طبيعة اللغة، بل إن بعضهم يُقدّمه في الأعماق الفلسفية على سيبويه نفسه وإن كان سيبويه لا ينازَع في مقام التأسيس والريادة. وقد شهد له الأقران والخلفاء جميعاً بالتفوق، حتى إن الزمخشري البلاغي النحوي الكبير كان يُعظّمه تعظيماً يكشف عن أثره العميق في منهجه.

وفاته

توفّي ابن جني عام 392هـ / 1002م في بغداد، تاركاً إرثاً لغوياً يظل حياً متجدداً؛ فكتبه لا تُقرأ كما تُقرأ كتب السابقين باعتبارها وثائق تاريخية فحسب، بل تُقرأ باعتبارها عقلاً حياً لا يزال يطرح أسئلة لم تُجَب إجابة نهائية، ويستدل بطرق لا يزال المحدثون يتعلمون منها، شاهداً على أن عظمة العالم لا تُقاس بعصره بل بعمق سؤاله.

1 كتاب0 متابع

اقتباسات

أبرز مقتطفات من كلام ابن جني

بنفس أسلوب بطاقات «اقتباسات ملهمة»: مقتطفات معتمدة من الكتب، مرتبة بحسب تفاعل القرّاء.

جميع الاقتباسات
ابن جني

ابن جني · الخصائص

قبس
ابن جني

ابن جني · الخصائص

قبس

كتب المؤلف