صفحة كتاب

لطائف الإشارات

غلاف لطائف الإشارات
القشيري
00 تقييم0 مراجعة

لطائف الإشارات

أبو القاسم القشيري (376هـ / 986م — 465هـ / 1072م)

التعريف بالكتاب ومؤلفه

"لطائف الإشارات" تفسير صوفي كبير للقرآن الكريم، صنّفه الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري، أحد أعلام التصوف الإسلامي السني في القرن الخامس الهجري. والقشيري عالم جامع لم يكن متصوفاً فحسب بل كان في الوقت ذاته فقيهاً شافعياً متمكناً ومتكلماً أشعرياً رفيعاً ومحدّثاً وأديباً، وهذا الجمع بين العلوم الشرعية والتجربة الصوفية هو ما أكسب تفسيره عمقاً لا يبلغه من أخلّ بأحد هذين الجانبين. وقد وقف القشيري حياته على الجمع بين الشريعة والحقيقة والبرهنة على أنهما لا يتعارضان بل يتكاملان، وجاء "لطائف الإشارات" تجسيداً أميناً لهذه الرؤية.

طبيعة الكتاب ومنهجه

لا يندرج "لطائف الإشارات" في خانة التفسير التقليدي الذي يُعنى بالمعنى الظاهر للآيات من لغة وفقه وأسباب نزول وأحكام، بل هو تفسير من نوع آخر يُعرف بـالتفسير الإشاري أو التفسير الصوفي، وهو تفسير يسعى إلى استنطاق الآيات القرآنية عن معانيها الباطنة وإشاراتها الروحية التي تُخاطب القلب السالك في طريق الله. والإشارة في اصطلاح أهل هذا الفن هي المعنى الدقيق الخفي الذي يُلمحه القرآن ولا يُصرّح به، والذي لا يُدركه إلا من صُفّي قلبه ورقّ حجابه وانكشفت له حقائق الأشياء بنور يُقذف في روحه.

وما يُميّز القشيري في هذا التفسير عن كثير من المتصوفة الذين كتبوا في هذا الباب أنه لا يتركُ المعنى الظاهر وراءه بل يُقرّ به أولاً ثم يُضيف إليه الإشارة الباطنة كأنها طبقة ثانية لا تُلغي الطبقة الأولى بل تُعمّقها وتُغنيها. فالتفسير الإشاري عنده ليس تأويلاً يُبطل الظاهر بل استيفاءٌ للمعنى يُتمّه ويُوسّع آفاقه.

مصادره ومرجعياته

يستند القشيري في تفسيره إلى روافد متعددة تُغذّي بنيانه من اتجاهات مختلفة:

التراث الصوفي — يستقطر القشيري خلاصة التجربة الروحية الإسلامية التي راكمها كبار الصوفية من قبله، من الجنيد والسري السقطي والحارث المحاسبي وذي النون المصري وبايزيد البسطامي وغيرهم، ويُوظّف أقوالهم وإشاراتهم في تفسيره توظيفاً يُدمجها في سياق التأويل القرآني.

علم الكلام الأشعري — خلفيته المتكلمة الأشعرية حاضرة في تفسيره في طريقة تعامله مع الآيات التي تتصل بالصفات والأفعال الإلهية، إذ يسير فيها مسير المتكلم الذي يُحكم التأصيل قبل أن يُطير في آفاق الإشارة.

الفقه الشافعي — يُحضر القشيري الفقه حين تقتضيه الآية، فلا تجده يُحلّق في سماء الإشارة ويترك الحكم الفقهي معلقاً.

اللغة والأدب — يُظهر القشيري في تفسيره إلماماً لغوياً وأدبياً جيداً يُحسن توظيفه في استجلاء دقائق التعبير القرآني وما تنطوي عليه من معان إشارية.

أبرز محاوره وموضوعاته

إشارات الآيات إلى أحوال السلوك — يُفسّر القشيري آيات كثيرة بوصفها إشارات إلى أحوال القلب في مسيرته نحو الله، من توبة وإنابة وخوف ورجاء وصبر وشكر وتوكل ورضا ومحبة وفناء. وهذه الأحوال هي عنده مقامات يتدرّج فيها السالك لا تتبدل بتبدل المزاج بل تترسّخ بالجهد والمجاهدة.

المحبة الإلهية — يُفرد القشيري عناية خاصة لموضوع المحبة الإلهية وما تتضمنه الآيات القرآنية من إشارات إليها؛ فيرى أن القرآن يُخاطب قلب المحب مخاطبةً خاصة لا يفهمها إلا من ذاق طعم المحبة الحقيقية، وأن كثيراً من الآيات إنما أُنزلت لتُغذّي هذا المحب وتُرسّخ صلته بمحبوبه.

التوحيد وأسراره — يتوسع القشيري في استنباط الإشارات التوحيدية من الآيات القرآنية، ويرى أن التوحيد عند أهل الإشارة يتجاوز الإقرار العقلي بالوحدانية إلى حالة وجدانية يستغرق فيها القلب في مشهد الواحد حتى يُنسيه كل ما سواه.

آيات القصص وإشاراتها — من أجمل ما في الكتاب تفسير القشيري لآيات القصص القرآني قصص الأنبياء والصالحين بوصفها إشارات إلى مقامات السلوك وأحواله؛ فيوسف عليه السلام عنده رمز للنفس الصافية التي تتجاوز البلاء بالصبر واليقين، وموسى عليه السلام يحمل من الإشارات ما يُضيء على أسرار الطريق والمعاملة مع الله، وإبراهيم عليه السلام يُجسّد مقام التسليم المطلق والمحبة التي لا تتراجع أمام الامتحان.

الخلوة والمراقبة — يُلمح القشيري إلى أسرار الخلوة والمراقبة وحضور القلب مع الله من خلال آيات يراها إشارةً إلى هذه الأحوال، مُقرّراً أن ما يُعبّر عنه القرآن بلغة الشريعة في الظاهر كثيراً ما يُشير في الباطن إلى حقائق السلوك الروحي.

أسلوبه في الكتاب

يكتب القشيري في "لطائف الإشارات" بأسلوب يجمع بين الرصانة العلمية والرقة الروحية؛ فهو لا يُسرف في الغموض والرمز كما يفعل بعض المتصوفة الذين يكتبون بلغة لا يُفهمها إلا خواصّ الخواص، بل يسعى إلى التعبير الواضح المُتيسّر قدر ما تُتيحه طبيعة المعاني الإشارية التي يُعالجها. ولغته فصيحة متمكّنة تشهد على أديب درس العربية وأحكم أدواتها، وإشاراته مُرتبطة دائماً بلفظ الآية وسياقها ارتباطاً يجعلها تبدو نابعة منها لا مُلصَقة بها من الخارج.

وكثيراً ما يستشهد بأقوال كبار الصوفية استشهاداً يُحسن توظيفه في سياق الآية، فيجيء الكتاب في الوقت ذاته تفسيراً وأنثولوجياً صوفياً يحفظ طائفةً نفيسة من كلام الأولياء والعارفين.

موقفه من الشريعة والحقيقة

ما يُميّز القشيري في تفسيره وفي مشروعه الفكري كله موقفه الصريح من إشكالية الشريعة والحقيقة التي كانت تُعصف بالتصوف الإسلامي في عصره؛ فبينما ذهب بعض الصوفية إلى أن الوصول إلى الحقيقة يُسقط عن الواصل التزامات الشريعة، وقف القشيري موقفاً حازماً يرفض هذا الفصل جذرياً ويُقرّر أن الشريعة والحقيقة لا تتعارضان أبداً وأن كل حقيقة لا تُؤيّدها الشريعة فهي زيغ لا حقيقة. وقد جاء "لطائف الإشارات" تجسيداً عملياً لهذا الموقف؛ فهو تفسير يُحترم فيه ظاهر النص ويُصان فيه الحكم الشرعي مع فتح آفاق الإشارة الروحية.

مكانته في التفسير الصوفي

يحتل "لطائف الإشارات" مكانة الصدارة في تاريخ التفسير الصوفي الإسلامي؛ فهو يُعدّ مع "حقائق التفسير" لأبي عبد الرحمن السلمي الأعمالَ المؤسِّسة لهذا النوع من التفسير في صورته المنضبطة المُلتزمة بحدود الشريعة. وقد أفاد منه كل من جاء بعده في هذا الباب من المفسّرين الصوفيين، وأثّر تأثيراً بالغاً في كتب التصوف اللاحقة التي عُنيت بالتأويل الروحي للنصوص القرآنية. كما يُعدّ من المصادر الأساسية لمن أراد دراسة الفكر الصوفي السني في تعامله مع النص القرآني، ومن أدلّ المصادر على إمكانية الجمع بين الالتزام الشرعي والتجربة الروحية العميقة في إطار إسلامي أصيل.

تحقيقه وطبعاته

حظي الكتاب في العصر الحديث بعناية تحقيقية جيدة، وكان من أبرز تحقيقاته تحقيق الدكتور إبراهيم بسيوني الذي صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في ثلاثة أجزاء، وقد بذل فيه جهداً علمياً في توثيق النص وتخريج الأقوال المنسوبة إلى الصوفية وضبط الاصطلاحات. وقد صدرت بعده طبعات أخرى في بيروت والقاهرة تستند إلى هذا التحقيق أو تُحاوره.

يبقى "لطائف الإشارات" بعد عشرة قرون من تصنيفه مرجعاً حياً يُعود إليه كل من أراد أن يقرأ القرآن الكريم قراءةً تُخاطب القلب بعد أن تُرضي العقل، وكل من أراد أن يفهم التصوف الإسلامي السني في أرقى صوره وأكثرها انضباطاً. وفيه يُعلّمنا القشيري أن القرآن لا ينضب معينه وأن كل مستوى من مستويات الروح يجد فيه ما يُغذّيه ويُرويه.

تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.

اقتباسات القرّاء

  • «فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) أي في الجنان حور قصرن عيونهن عن غير أزواجهن. وإذا كانت الزوجات قاصرات الطّرف عن غير أزواجهن فأولى بالعبد إذ رجا لقاءه- سبحانه- أن يقصر طرفه ويغضّه عن غير مباح.»

    أضافه Arabicthinkerقبس
  • «إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ) لا ينبغى لمن يذنب ثم لا يؤاخذ فى الحال أن يغترّ بالإمهال.»

    أضافه Arabicthinkerقبس
  • «وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) تعليم لهم حسن العشرة وآداب الصحبة. وإن من حمّلك فضلا صار ذلك- فى ذمتك- له قرضا، فإمّا زدت على فعله وإلّا فلا تنقص عن مثله.»

    أضافه Arabicthinkerقبس
  • «قال تعالى (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) لمّا صدقت فى شكواها إلى الله وأيست من استكشاف ضرّها من غير الله أنزل الله في شأنها: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ..» . تضرّعت إلى الله، ورفعت قصّتها إلى الله، ونشرت غصّتها بين يدى الله- فنظر إليها الله، وقال: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ» . ويقال: صارت فرجة ورخصة للمسلمين إلى القيامة في مسألة الظّهار ، وليعلم العالمون أنّ أحدا لا يخسر على الله»

    أضافه Arabicthinkerقبس
  • «حسنات الأبرار سيئات المقربين»

    أضافه ابن يحيىقبس

أضف مراجعة

اكتب اقتباساً أو خاطرة

تسجيل الدخول مطلوب لإرسال اقتباس أو خاطرة.