د.أحمد عبد الرحمن عثمان القاضيعرض الاقتباسنسخ الرابطأساليب النصارى في مواجهة الإسلام لقد احتاجت النصرانية إلى ثلاثة عشر قرناً من الزمان، بدءاً من القرن السابع إلى القرن العشرين حتى تبلغ مرحلة الحوار». وبين التنافر والتقارب برزت في الفكر النصراني ممارسات متنوعة في مواجهة الإسلام في جانبه العقدي، يمكن تحديدها بما يلي : أولاً: أسلوب التشويه والتضليل وقد ولد هذا الأسلوب في وقت مبكر، لمواجهة موجات الفتح الإسلامي والاعتناق الجماعي لدين الإسلام. ومن أشهر من أرسى قواعده قسيس دمشقي عرف باسم يوحنا الدمشقي (٢) المتوفى سنة ٧٥٠م، وقد عاش هو وأبوه منصور بن سرجون في أكناف أمراء بني أمية. وقد ألف عدة مؤلفات ضمنها القدح في الإسلام ونبيه وكتابه القرآن. فالإسلام عنده ليس دين إبراهيم ، بل هو مؤذن بالمسيح الدجال والرسول ﷺ واحد من أتباع بدعة آريوس، لا يعرف من العهدين القديم والجديد إلا ما ضحلت قيمته، والقرآن نتاج الأحلام اليقظة، كما ينتقد إجراءات الزواج والطلاق في الشريعة (۳) إن هذا القسيس المضلل الذي يصفه النصارى بـ «القديس»، يبوء بإثم إشاعة هذه الافتراءات التي صدت كثيراً من النصارى في الشرق والغرب عن الوقوف على حقيقة الإسلام (۱). يقول إليكسي جورافسكي : إذا كنا نتفق على واقعة أن التصورات الأوربية عن الإسلام تشكلت ما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر للميلاد، فإننا يجب أن نشير إلى حقيقة أن هذه التصورات تكونت في كثير من جوانبها وخطوطها الكبرى على خلفية التفسير المسيحي الشرقي للعقيدة الإسلامية. وتعد المؤلفات التي وضعها يوحنا الدمشقي، المتوفى سنة ٧٥٠م من أكبر الدراسات المسيحية الشرقية عن الإسلام وإذا كان يوحنا الدمشقي، وهو عربي النسب واللسان، يلجأ إلى كتابة مفترياته وتشويهاته المتعمدة عن الإسلام ونبيه وكتابه العزيز باللغة اليونانية، وهو يعيش بين ظهراني المسلمين، وفي خدمة البلاط الأموي خشية رد الفعل العلمي والاجتماعي والسلطوي، فللقارئ أن يتخيل ما يمارسه القسس الحاقدون الذين يعيشون خلف الحدود في أرجاء أوروبا البيزنطية، ثم الرومانية، حيث لا يعلمون عن الإسلام وعقيدته وشريعته وتطبيقه سوى ما يتلقفون من إنتاج نظرائهم الذين يتميزون غيظاً وحسداً في المشرق الإسلامي، ثم يضيفون إليه ما تبلغه أوهامهم المريضة، وخيالاتهم الفاسدة من أساطير وحكايات مسفة. وهذا ما حدث بالفعل في أوروبا، طوال القرون الوسطى. فقد روجت العديد من الخرافات والتهم السخيفة عن الإسلام، وعن شخص نبينا محمد ﷺ نعف عن ذكرها إكراماً له وتوقيراً، مما حدا بباحث غريب معاصر أن ينتقدها بإنصاف قائلاً : ( وللحقيقة، يجب القول أن تلك الأساطير المختلفة تمثل سخرية مأساوية، لأن النبي «محمد» الذي حارب أكثر من أي مخلوق آخر عبادة الأوثان، والذي حطم جميع أصنام الكعبة، يتحول في تصور المسيحيين إلى صنم يؤلهه أتباعه» الذين يطلقون عليهم ازدراء واحتقاراً لقب عبيد سارة» أو «أبناء الجارية (١). وقد ظل هذا الأسلوب هو الأسلوب السائد والأسهل في الأوساط الشعبية للتنفير من الإسلام والصد عن سبيله، حتى اعتنقت أوروبا المذاهب العقلية وانعتقت من سلطان الكنيسة الكهنوتي فانحسر نوعاً ما، وإن كنا لا نزال نطلع على خائنة منهم، تحملها وسائل الإعلام المختلفة تنبىء عن حقد دفين.د.أحمد عبد الرحمن عثمان القاضي · دعوة التقريب بين الأديان دراسة نقدية0قبس
د.أحمد عبد الرحمن عثمان القاضيعرض الاقتباسنسخ الرابطاعتنى القرآن العظيم بقصص بعض الأنبياء، دون بعض، لحكمة بينها الشيخ عبد الرحمن السعدي الله بقوله : (أن الله بحكمته يقص علينا نبأ الأمم المجاورين لنا في جزيرة العرب وما حولها ؛ لأن القرآن يذكر أعلى الطرق في التذكير، والله تعالى صرف فيه التذكيرات تصريفا نافعًا، ولا ريب أن الأقطار النائية عنا في مشارق الأرض ومغاربها قد بعث الله إليهم رسلا، ولهم معهم نظير ما للمذكورين من إجابة ورد، وإكرام وعقوبة، وما من أمة إلا بعث الله فيهم رسولا ، ولكن نفعنا بتذكيرنا بما حولنا، وما نتناقله جيلا بعد جيل ؛ بل نشاهد آثارهم و نمر بديارهم كل وقت، ونفهم لغاتهم، وطبائعهم أقرب إلى طبائعنا ، لا ريب أن نفع هذا عظيم، وأنه أولى من تذكيرنا بأمم لم نسمع لهم بذكر ولا خبر، ولا نعرف لغاتهم، ولا تتصل إلينا أخبارهم بما يطابق ما يخبرنا الله به ؛ فيؤخذ من هذا أن تذكير الناس بما هو أقرب إلى عقولهم، وأنسب لأحوالهم، وأدخل في مداركهم، وأنفع لهم من غيره أولى من التذكيرات بطرق أخرى، وإن كانت حقا ، لكن الحق يتفاوت والمذكر والمعلم إذا سلك هذا الطريق واجتهد في إيصال العلم والخبر إلى الناس بالوسائل التي يفهمونها، ولا ينفرون منها، أو تكون أقرب لإقامة الحجة عليهم نفع وانتفع، وأشار الباري إلى هذا في آخر قصة عاد، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ [الأحقاف ۲۷] ؛ أي نوعناها بكل فن ونوع لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأحقاف : ۲۷] ؛ أي : ليكون أقرب لحصول الفائدة)د.أحمد عبد الرحمن عثمان القاضي · هدي الأنبياء في الدعوة إلى الله0قبس
د.أحمد عبد الرحمن عثمان القاضيعرض الاقتباسنسخ الرابطقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) وقد اختلف المفسرون في معنى الآية، فذهب ابن عباس ، و مجاهد، وسعيد بن جبير، إلى أن المراد بالساق هنا : الشدة والكرب قال ابن عباس : عن أمر عظيم، كقول الشاعر : وقامَتِ الحَرْبُ بنا على ساق ... وقال: حين يكشف الأمر، وتبدو الأعمال، وكشفه: دخول الآخرة وكشف الأمر عنه ... وقال : هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة ... وقال : هي أشد ساعة في يوم القيامة (١). وذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بالساق هنا، صفة لله ،كما أنَّ لله تعالى وجها كريمًا لا يشبه وجوه المخلوقين، وكما أن له يدان كريمتان لا تماثلان أيدي المخلوقين، فله ساق عظيم يليق بجلاله وعظمته. وظاهر الآية لا يدل على هذا ؛ لأن الله لم يضف الساق إلى نفسه كما أضاف اليد إلى نفسه في قوله : تَبَاركَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك: 1]، أو الوجه إلى نفسه في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ [الرحمن: ٢٧]، فظاهر الآية لا يدل على أنها صفة. لكن الذي يدل على ذلك حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا قال: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» (١) ، وفيه : يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا» (۲)، فيكون الحديث مفسرا للآية . ولا ينبغي للمؤمن أن يستشنع شيئًا من آيات الصفات وأحاديثها، فالله أعلم بنفسه، وأصدق قيلا ، وأحسن حديثا من خلقه، وهو ليس كمثله شيء، كما أن نبيه صلى الله عليه وسلم أعلم بربه، وأصدق قولاً من سائر البشر، وأفصح لسانا، وأبين بيانًا، وأنصح للأمة، فلا يحل لأحد أن يرد ما نطق به من لا ينطق عن الهوى لمجرد شناعة استشنعها . فتكون الآية دالة على إثبات صفة الساق لله . ولا يمنع أن يكون هذا الحال موافقا لكرب وشدة تعتري الناس في مواقف القيامة، فإن يوم القيامة يوم طويل، وفيه من الأهوال والأحوال الجسام، ما لا يحيط به وصف فيكون هذا من أشد ما يبتلون به .د.أحمد عبد الرحمن عثمان القاضي · التفسير العقدي لجزء تبارك0قبس
د.أحمد عبد الرحمن عثمان القاضيعرض الاقتباسنسخ الرابط(وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) أشار إليه بلفظ «هذا» لقربه. (الْبَلَدِ الْأَمِينِ ) مكة؛ وذلك لأن كل شيء يأمن فيه، فقد حرمه الله تعالى حينما خلق السماوات والأرض، وجدد إبراهيم حرمته، فلم تزل العرب منذ زمن إبراهيم يعظمون البيت حتى إن الرجل ليلقى قاتل أبيه في الحرم، فلا يتعرض له، وحتى إن الطير، والوحش يأمن فيه، فهو أمين. ثم جاء محمد ﷺ ووثق هذا الأمان، فقال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لَأَحَدٍ قَبْلِي، وَلا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي. وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نِهَارٍ؛ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلا تَلْتَقَطُ لُقَطَتْهَا، إِلَّا لِمُعَرِّفٍ، وَقَالَ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّه ! إِلَّا الإِذْخِرَ ، لِصَاغَتِنَا، وَقُبُورِنَا. فَقَالَ: «إِلَّا الْإِذْخِرَ. الإِذْخِرَ» متفق عليه (١). ولو تأملنا في هذه الأقسام الأربعة، لوجدنا بينها ترابطاً عجيبًا؛ إذ أنها تشير إلى مواطن الرسالات السماوية الكبرى فالتين والزيتون تنبت في أرض الشام، وهي موطن أكثر أنبياء بني إسرائيل، ومنهم عيسى ابن مريم ، إذ كان عيسى آخر أنبياء بني إسرائيل، وتبعه فئام كثير من البشر. وأما طور سينين فهو الموضع الذي أرسل منه موسى . وأما البلد الأمين فمكة، موطن أشرف الرسالات؛ رسالة محمد ﷺ. فهذه المواضع الثلاثة مواضع شريفة، معظمة، وتعظيمها ليس في القرآن وحده، بل فيما يجده أهل الكتاب في كتبهم.د.أحمد عبد الرحمن عثمان القاضي · التفسير العقدي لجزء عم0قبس