النثر الفني في القرن الرابع الهجري — زكي مبارك
قيمته عند مؤلفه:
فجر المؤلف روحه كلها في هذا الكتاب، وبلغ من اعتزازه به أن قال: كلما تذكرت كتابي "النثر الفني" تأججت النيران في عروقي.
التعريف بالكتاب:
"النثر الفني في القرن الرابع الهجري" كتاب نقدي أدبي رائد، ألّفه الدكتور زكي مبارك المصري (1892 — 1952)، وكان في الأصل أطروحة علمية تقدّم بها إلى جامعة السوربون في باريس، ونال عليها درجة الدكتوراه عام 1931م، ثم صدر الكتاب بالعربية وأحدث أثراً بالغاً في الدراسات الأدبية العربية الحديثة.
موضوعه ومنهجه:
يتناول الكتاب النثر الأدبي العربي في القرن الرابع الهجري، الذي يعتبره زكي مبارك العصر الذهبي للنثر العربي، إذ بلغ فيه فن الكتابة والتأليف ذروته الجمالية والأسلوبية. ويدرس المؤلف هذا النثر دراسة وصفية تحليلية، موازناً بين أعلامه ومذاهبهم، كاشفاً عن الخصائص الفنية التي ميّزت هذا العصر عمّا سبقه وما تلاه.
أبرز المحاور التي يعالجها:
يقسم زكي مبارك كتابه على عدة محاور جوهرية:
أولاً: تعريف النثر الفني وحدوده، إذ يُميّز بين النثر العلمي والنثر الديني والنثر الأدبي الفني، ويُحدّد مواصفات هذا الأخير من حيث الجمال والتصنّع والغاية الجمالية.
ثانياً: أعلام النثر في القرن الرابع، ويتوقف بالتحليل عند كبار الكتّاب والأدباء، في مقدمتهم:
الجاحظ ومدرسته في الأسلوب السهل الممتنع، وأثره في من جاء بعده.
ابن العميد الذي يُعدّه زكي مبارك قمة النثر الفني المصنوع.
الصاحب بن عبّاد وأسلوبه المسجوع الفخم.
بديع الزمان الهمذاني ومقاماته التي أرست فناً نثرياً جديداً.
التوحيدي الذي يصفه بأنه أسلوب الفيلسوف الأديب المتمرد.
ثالثاً: فن المقامات، ويدرسه دراسة معمّقة باعتباره أرقى تجليات النثر الفني في هذا القرن.
رابعاً: الصنعة البديعية والسجع، ويحلّل ظاهرة الاهتمام بالزخرفة اللفظية والموسيقى الإيقاعية في النثر، بين المادح لها والمنتقد.
موقف زكي مبارك النقدي
لا يكتفي المؤلف بالوصف والعرض، بل يُبدي آراءً نقدية جريئة وصريحة، فهو لا يُقدّس القدامى ولا يُقلّل منهم، ويُوازن بين الأسلوب التلقائي الجاحظي والأسلوب المصنوع الزخرفي بميزان نقدي حداثي. وقد انتقد التكلّف اللفظي المبالغ فيه الذي أخرج النثر أحياناً عن وظيفته التواصلية، مؤثِراً الأسلوب الذي يجمع بين الجمال والوضوح.
أهمية الكتاب
يكتسب الكتاب مكانته من جوانب عدة:
هو أول دراسة أكاديمية منهجية حديثة تُعنى بالنثر العربي القديم وفق مناهج النقد الغربي الحديث، مع الاحتفاظ بالهوية الأدبية العربية.
كسر الحاجز بين الدرس الأدبي الكلاسيكي والمنهج التحليلي الحديث، ففتح باباً لجيل من الدارسين العرب.
يُعدّ مرجعاً أساسياً لكل باحث في النثر العربي الكلاسيكي حتى اليوم.
أثار نقاشات واسعة حول مفهوم "الفنية" في النثر العربي، ومعايير الجمال الأسلوبي.
ملاحظة عن أسلوب زكي مبارك
ما يُميّز الكتاب أيضاً هو أسلوب مؤلّفه نفسه؛ فزكي مبارك يكتب بلغة عربية أدبية متوثّبة، ويُدخل في الكتاب الأكاديمي لمسات من روحه الشخصية وطرافته وجرأته، فجاء الكتاب مزيجاً من البحث العلمي الرصين والمتعة الأدبية.
يبقى "النثر الفني في القرن الرابع" علامة فارقة في تاريخ النقد الأدبي العربي الحديث، وشاهداً على عبقرية زكي مبارك الذي أفاد من الغرب ولم يذب فيه.
