بداية ونهاية
نجيب محفوظ (1911م — 2006م)
التعريف بالرواية
"بداية ونهاية" رواية من أعمق ما كتب نجيب محفوظ وأكثره مرارةً وصدقاً في مواجهة الحقيقة الإنسانية، صدرت عام 1950م لتكون واحدة من الأعمدة الكبرى في مسيرته الروائية وفي تاريخ الرواية العربية. وهي تقف في المرحلة الواقعية الاجتماعية من إبداعه، تلك المرحلة التي بلغ فيها أسلوبه الواقعي ذروة نضجه قبيل انكبابه على كتابة الثلاثية الكبرى. وقد أُدرجت الرواية بحق في مصافّ الروايات الكلاسيكية التي لا تموت بمرور الزمن، لأن موضوعها ليس حكاية أسرة مصرية في حقبة بعينها بل هو الإنسان ذاته في مواجهة الحلم والواقع والكرامة والعار.
ملابسات كتابتها وزمانها
تنتمي الرواية زمانياً إلى ذلك الحقل الخصب من حياة نجيب محفوظ الإبداعية الذي أنتج في غضون سنوات قليلة "خان الخليلي" و"زقاق المدق" و"السراب" و"بداية ونهاية"، وكأن العقد الأخير من الأربعينيات كان يموج بطاقة إبداعية لا تُحتوى. وتجري أحداث الرواية في القاهرة في ثلاثينيات القرن العشرين، تلك الحقبة التي كانت فيها الطبقة الوسطى المصرية تعيش قلقاً وجودياً عميقاً بين ما ورثته من قيم وتقاليد وما يفرضه عليها الواقع الاقتصادي الضاغط من تنازلات واختيارات مؤلمة.
الشخصيات وخريطة العائلة
تدور الرواية حول أسرة كامل التي فقدت عائلها حين مات الأب موظفٌ حكوميٌّ بسيط فجأةً تاركاً وراءه أرملةً وأربعة أبناء في ظروف شديدة الضيق، وعلى هؤلاء الأبناء تتمحور الرواية وفي تباين مصائرهم يكمن جوهرها:
حسنين — الابن الأصغر ومحور الرواية وقلبها النابض، الشاب الطموح الجميل الذي يحمل في صدره حلماً كبيراً بالارتقاء الاجتماعي والالتحاق بالكلية الحربية ليصبح ضابطاً، ويرى في هذا الحلم طريق الخلاص من براثن الفقر وسبيل الانتقام من الواقع الذي أهانه. وحسنين شخصية مُركّبة مُقلقة لا تستدرج التعاطف البسيط؛ فهو يحمل في آنٍ واحد طموحاً مشروعاً ونرجسيةً مُؤلمة وقسوةً كامنة تُطلّ من وراء ستر الحب العائلي.
حسين — الابن الأكبر الواقعي المتقبّل لحدود الحياة، يعمل في وظيفة متواضعة ويُسهم في نفقات الأسرة بصمت وبلا شكوى. وهو يُمثّل نموذج الإنسان الذي لا يملك سحر الطموح الجارف لكنه يملك قيمة الثبات والوفاء.
نفيسة — الابنة الكبرى التي حُرمت من الجمال وقُدّر لها أن تحمل وجهاً لا يُغري بالزواج في مجتمع يرى في الجمال رأسمال المرأة الأول. وقد دفعها هذا الحرمان إلى انكسار داخلي عميق جعلها تقع فريسةً لرجل يستغلّ جوعها للحب وللاعتراف بأنوثتها، فتنزلق نفيسة في طريق الخطيئة التي ستكون الكارثة التي تُفجّر أحداث الرواية.
الأم — شخصية من أكثر شخصيات نجيب محفوظ نسجاً بالحياة؛ أرملة تُصارع الفقر بإباء وتحمل همّ أبنائها بصمت، تُكابد من الداخل وتُبدي للخارج صلابةً تُخفي وراءها روحاً مُنهكة.
بنيتها السردية
تسير الرواية وفق بنية سردية خطية تتدرج من الأزمة إلى الانهيار بمنطق درامي محكم لا يُخلّ به نجيب محفوظ لحظة واحدة. يبدأ السرد من موت الأب وما يُخلّفه من فراغ مادي ومعنوي، ثم يتتبع بصبر بالغ الأثرَ الذي يتركه هذا الفراغ في كل شخصية على حدة، مُراقباً كيف يستجيب كل فرد من الأسرة للضغط بطريقته الخاصة التي تكشف عن جوهره الحقيقي.
وكأن الرواية امتحان كبير تضع فيه كل شخصية تحت الضغط لترى من تكون حين تُسلَب منها أعذار الرفاه والأمان. وفي هذا الامتحان القاسي تنكشف الطبائع وتتعرّى النفوس وتتبيّن الفوارق بين من يتمسك بكرامته وإن خسر ومن يُسقطها وإن ربح.
الحلم والواقع
تقوم الرواية على التوتر الدراما بين الحلم والواقع، وهو توتر يُشكّل النسيج الداخلي لكل شخصية ويحرّك الأحداث نحو نهايتها المحتومة. حسنين يحلم حلماً كبيراً شرعياً بالانعتاق من الفقر والارتقاء إلى حياة أرحب، لكن الواقع يضع في طريق هذا الحلم سلسلةً من العقبات التي تُلزمه بدفع أثمان باهظة تتعارض مع قيم يزعم التمسك بها. ونفيسة تحلم بالحب والقبول والاعتراف بأنوثتها فتجد ما يُشبه الحلم في يد رجل يعرف أن ما يُقدّمه ليس ما تظن، وتنتهي إلى دفع ثمن الوهم بأغلى ما تملك.
وكأن نجيب محفوظ يُقرّر في هذه الرواية أن الحلم ليس دائماً بوصلة نحو الخير، وأن الطموح المشروع في الجوهر قد يتحوّل إلى قوة مُدمِّرة حين يتجرّد من الأخلاق ويُطرح وراء ظهره كل ما يُعيق صعوده.
الكرامة والعار
الكرامة والعار ثيمتان تجريان في عروق الرواية وتُحرّكان صراعها الأعمق؛ فمجتمع الرواية مجتمع يقوم على الشرف الاجتماعي الذي يهشّ أمام الفضيحة، ونجيب محفوظ يُلاحق بعين ساهرة لا ترحم الطريقةَ التي يتلاعب بها هذا المفهوم بمصائر الناس. فحسنين يخشى على سمعته وعلى حلمه بالكلية الحربية خشيةً تجعله يتبرأ من أخته ويُعليها كعبقة ثقيلة فوق كاهله، وهو من كان يدّعي حبها. وعار نفيسة لا يُعامَل بوصفه مأساةً إنسانية تستوجب الرحمة بل بوصفه لوثةً اجتماعية تستوجب الإخفاء والإنكار.
وفي هذا التحليل المُرّ لمفهوم الكرامة يكشف نجيب محفوظ كيف أن المجتمع يُعلّم أفراده أن يُخجلوا مما ينبغي أن يُشفقوا منه، وأن يُخفوا ما ينبغي أن يُواجهوه.
الطبقة الاجتماعية ودورها
لا تقلّ الطبقة الاجتماعية في "بداية ونهاية" عن أي شخصية في دورها وتأثيرها في مجريات الأحداث؛ فمصائر أبناء الأسرة مرسومة إلى حدٍّ بعيد من قبل طبقتهم الاجتماعية قبل أن يُقرّر أي منهم شيئاً. وكأن نجيب محفوظ يُقرّر أن حرية الإنسان في مجتمع كهذا حرية محدودة بسقوف الطبقة والجنس والمال، وأن إرادة الفرد لا تملك دائماً ما تظن من قدرة على صياغة المصير.
غير أن الرواية لا تنتهي عند هذه الحتمية الاجتماعية بل تطرح في وجهها سؤالاً أخلاقياً: وإن كانت الظروف تضغط فأين يبدأ الاختيار الأخلاقي الحر ومتى يكون الإنسان مسؤولاً عمّا فعل بحجة ما فعلته به الظروف؟
الخاتمة ودلالتها
تنتهي الرواية بنهاية مأساوية مُركّبة تجمع بين الخسارة والتطهير والسؤال المفتوح؛ وهي نهاية لا تمنح القارئ راحة الإجابة المُريحة بل تتركه في مواجهة الأسئلة الكبرى التي أثارتها الرواية طوال صفحاتها. وفي هذه النهاية يُصفّي نجيب محفوظ حساباته مع الأوهام التي كان أبطاله يتمسكون بها، ويكشف بقسوة رحيمة أن الهروب من الحقيقة ليس طريقاً إلى النجاة بل طريقاً أطول إلى نفس الكارثة.
وقد عُدّت هذه الخاتمة من أقوى الخواتيم في تاريخ الرواية العربية وأكثرها إيلاماً ورسوخاً في الذاكرة، لأنها لا تجيء بوصفها عقاباً أخلاقياً مُتعمَّداً بل بوصفها المنطق الطبيعي الحتمي للحياة حين يُكابر الإنسان ولا يواجه ما يجب أن يواجهه.
أسلوبها ولغتها
يكتب نجيب محفوظ "بداية ونهاية" بأسلوب واقعي محكم يجمع بين التفصيل البطيء في رصد البيئة والشخصيات وبين التصاعد الدرامي الذي يشتد كلما تقدّمت الرواية. ولغته هنا في أوج سلاستها ووضوحها، بعيدة عن التزويق الأدبي المتكلّف قريبة من لغة الحياة اليومية لكنها تحمل ثقلاً دلالياً يُحسّه القارئ دون أن يرى مصدره بوضوح. وحواراته من أكثر الحوارات في الرواية العربية صدقاً وتمثيلاً لطبيعة الشخصية التي تتكلم؛ فكل شخصية تتحدث بلسانها الخاص الذي يكشف عن داخلها قبل أن يُفصح عن موضوعها.
أثرها وتحويلها إلى السينما
نالت "بداية ونهاية" حظاً سينمائياً وفيراً إذ حوّلتها السينما المصرية إلى فيلم عام 1960م من إخراج صلاح أبو سيف وبطولة عمر الشريف وفاتن حمامة، وقد كان الفيلم من أبرز ما أنتجته السينما المصرية الكلاسيكية وأكثره إخلاصاً لروح الرواية وأعمقه في تصوير الصراع الداخلي لشخصياتها. وقد أسهم الفيلم في توسيع جمهور الرواية ليتجاوز القرّاء إلى المشاهدين مما جعل "بداية ونهاية" من الأعمال الأكثر حضوراً في الوجدان الثقافي المصري.
تبقى "بداية ونهاية" بعد أكثر من سبعة عقود على صدورها رواية لا تشيخ، لأن الأسئلة التي تطرحها عن الطموح والكرامة والعار والأسرة ومنطق المجتمع ليست أسئلة زمان بعينه بل أسئلة الإنسان في كل زمان. وهي من تلك الروايات النادرة التي تجعلك حين تُغلقها تُفكّر في حياتك قبل أن تُفكّر في أبطالها.

