صفحة كتاب

بين القصرين

غلاف بين القصرين
نجيب محفوظ
00 تقييم0 مراجعة

بين القصرين

نجيب محفوظ (1911م — 2006م)

التعريف بالرواية

"بين القصرين" الجزء الأول من الثلاثية الكبرى لنجيب محفوظ، وهي الثلاثية التي تُعدّ بإجماع النقاد والقراء أعظم ما أنتجته الرواية العربية في تاريخها الحديث. صدرت "بين القصرين" عام 1956م لتكون المدخل الكبير إلى عالم أسرة السيد أحمد عبد الجواد وحارة بين القصرين وعوالمها الإنسانية الحافلة بالحياة. وقد أمضى نجيب محفوظ في كتابة الثلاثية بأجزائها الثلاثة قرابة سبع سنوات كاملة امتدت من عام 1945م إلى عام 1952م، غير أنه احتبسها عن النشر سنوات إضافية يُراجعها ويُنقّحها حتى صدرت في صورتها النهائية. وحين صدر الجزء الأول كان من الواضح أن نجيب محفوظ يقدم للقارئ العربي شيئاً لم يعرفه من قبل: رواية عائلية ملحمية تجمع بين عمق دوستويفسكي وتفصيل بلزاك وروح مصرية لا تُشبه إلا نفسها.

عنوانها ومكانها

أخذت الرواية عنوانها من حارة بين القصرين في قلب القاهرة الفاطمية القديمة، تلك الحارة التي تقع بين قصر الأمير بشتاك وقصر الأمير قوصون من آثار العصر المملوكي. وقد جعل نجيب محفوظ من هذا المكان شخصيةً روائية قائمة بذاتها لها روحها وذاكرتها وإيقاعها الزمني الخاص؛ فأزقتها وبيوتها ودكاكينها ومساجدها وأصوات باعتها ليست ديكوراً يتحرك أمامه الأبطال بل هي جزء من النسيج الحي للرواية تتشكّل منه هوية شخصياتها وطريقة تفكيرهم وأحلامهم وخوفهم.

والزمن الذي تجري فيه أحداث الرواية يمتد من نحو عام 1917م حتى عام 1919م، وهو زمن مشحون بالتوتر السياسي والوطني في مصر إبان الاحتلال البريطاني، ذلك الزمن الذي انتهى بثورة 1919م الشعبية الكبرى.

السيد أحمد عبد الجواد

لا يُمكن الحديث عن "بين القصرين" دون الوقوف طويلاً أمام شخصية السيد أحمد عبد الجواد، تاجر العطارة في الحارة، الذي يُعدّ بلا منازع واحدة من أعظم الشخصيات في تاريخ الرواية العربية وإحدى الشخصيات التي لا تُنسى في الأدب العالمي. فهو شخصية تُجسّد بامتياز ذلك التناقض الإنساني الكبير الذي يُسكن نجيب محفوظ باستمرار: التناقض بين الظاهر والباطن، بين القناع والوجه، بين ما نعلنه وما نُخفيه.

في بيته يكون السيد أحمد صارماً متسلطاً لا يُعرف له تساهل ولا مزاح؛ تخشاه زوجته أمينة خشيةً تُشبه الخوف من القدر، ويتأدب أبناؤه في حضرته أدباً يُشبه الرهبة، ولا تسمع في بيته ضحكة ولا تُقال كلمة دون إذن نفسه. وفي خارج بيته يكون السيد أحمد إنساناً آخر تماماً: محبوباً ظريفاً مرحاً يُحبّ الغناء ويعشق النساء ويُداوم على مجالس السمر والطرب مع أصدقائه. هذا الانشطار لا يُقدّمه نجيب محفوظ شراً صريحاً ولا خيراً خالصاً، بل يُقدّمه بنيةً إنسانية مُركّبة تُثير في آنٍ واحد الاستغراب والتأمل والفهم وأحياناً الرأفة.

أمينة زوجة الظل

في مقابل السيد أحمد المسيطر تقف أمينة زوجته في موقع الشخصية التي صاغتها الخضوع المطلق وأعادت تشكيلها حتى صارت لا تعرف لنفسها إرادة مستقلة عن إرادة زوجها. وأمينة ليست شخصية ضعيفة بالمعنى السلبي للكلمة؛ فهي تحمل في داخلها دفئاً إنسانياً طاغياً وحباً لأبنائها يفوق كل شيء وإيماناً روحياً صادقاً يُغذّيها من الأعماق. لكن إرادتها مُصادَرة بالكامل لصالح سلطة الزوج التي تعلو في بيتهم مقام كل شيء. وحين تُغامر أمينة بالخروج وحدها في غياب زوجها لزيارة ضريح الحسين فتُصاب بحادث صغير يتحوّل إلى عقوبة كبيرة وتطرد من البيت، تتكشّف في هذا الموقف الكثير من الحقائق عن طبيعة السلطة الذكورية وعن هشاشة ما يُسمى استقراراً في بيت كهذا.

الأبناء وتنوع المصائر

يحرص نجيب محفوظ في "بين القصرين" على أن يجعل كل ابن من أبناء السيد أحمد عالماً قائماً بذاته يُجسّد نمطاً إنسانياً وتوجهاً فكرياً مختلفاً:

ياسين الابن الأكبر من زواج سابق، يرث من أبيه شهوة الحياة وحبّ النساء والجانب المرح من شخصيته، لكن دون أن يُوازنها بالحنكة وضبط النفس اللذين يملكهما أبوه. فياسين شخصية تُعيش لحظتها ولا تُحسن التخطيط وتدفع أثماناً متكررة لطيشها دون أن تتعلم الدرس.

فهمي الابن الأوسط الذي يحمل روح الثورة والوطنية في صدره، ويُمثّل جيلاً من الشباب المصري الذي أشعلته أحداث الاحتلال البريطاني وما رافقها من تجاوزات حتى آمن بالكفاح الوطني سبيلاً للكرامة. وفهمي شخصية تسكنها المبادئ سكناً حقيقياً وليس ادعاءً، وهو يدفع ثمن هذا التمسك في نهاية مؤلمة لا تُكشف إلا في نهاية الجزء.

كمال الابن الأصغر الطفل الفضولي الحساس الذي سيكبر ليصبح في الجزأين التاليين صوت نجيب محفوظ الفلسفي ومرآة أزمته الفكرية. وفي "بين القصرين" يظهر كمال بعيون طفل يرصد العالم برهبة ودهشة ويتساءل عن كل شيء دون أن يملك إجابات.

خديجة وعايدة ابنتا السيد أحمد: خديجة حادة الملاحظة صريحة اللسان ذات شخصية قوية لا تُجامل، وأختها تُشكّل جزءاً من عالم الجزء الثاني بصورة أكثر حضوراً.

ثورة 1919م في الرواية

لا تبقى السياسة في "بين القصرين" خلفيةً بعيدة بل تتسرّب إلى داخل البيت وتُغيّر مصائر أهله؛ فأحداث ثورة 1919م التي تشتعل في الشوارع تدخل من نافذة فهمي الوطني الحالم لتُغيّر مسار حياته وتنتهي بما تنتهي إليه. وقد أجاد نجيب محفوظ في تصوير الحشد الشعبي المصري في تلك المرحلة التاريخية الفارقة، إذ يُقدّم الثورة لا بوصفها حدثاً سياسياً مُجرَّداً بل بوصفها لحظة يلتقي فيها المصريون جميعاً على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم في حلم واحد يُطير قلوبهم بمزيج من الخوف والأمل والكرامة.

الزمن والذاكرة

يتعامل نجيب محفوظ مع الزمن في "بين القصرين" تعاملاً يُميّزه عن كثير من الروائيين؛ فالزمن عنده ليس مجرد إطار تجري فيه الأحداث بل هو قوة فاعلة تُعرّي الشخصيات وتكشف عن حقيقتها. وهو يُبطئ السرد حين يريد أن يُعمّق الغوص في نفسية شخصية ما، ويُسرّعه حين تتراكم الأحداث وتتضاغط، فيجيء إيقاع الرواية مُتنفّساً ومتجدداً لا رتيباً.

وكثيراً ما يتوقف نجيب محفوظ في ثنايا السرد ليلتقط لحظةً بعينها يُطيل فيها كأنه يريد أن يُثبّتها في الذاكرة قبل أن تمرّ؛ لحظة الأسرة مجتمعة على مائدة الإفطار، أو لحظة السيد أحمد يُغلق دكانه مساءً، أو لحظة أمينة على سطح البيت تنظر إلى منارة المسجد المجاور. وفي هذه اللحظات الموقوفة يكمن سحر نجيب محفوظ الحقيقي.

حارة بين القصرين شخصيةً روائية

أحد أسرار عظمة "بين القصرين" أن المكان فيها ليس ظرفاً يحتضن الأحداث بل هو جزء لا ينفصل من الكيان الروائي؛ فالحارة بصخبها وأصواتها ورائحة خبزها وعطور دكاكينها ونداءات باعتها المتجولين حاضرة في كل صفحة حضوراً يجعل من يقرأ الرواية في مدينة أخرى يُحسّ بأنه يمشي في هذه الأزقة فعلاً. وقد استقى نجيب محفوظ هذا المكان من ذاكرته الطفولية ومن مشيه في أزقة القاهرة القديمة مراراً ومراراً حتى حفظها حفظاً يتجاوز الوصف إلى التجسيد.

أسلوبها ولغتها

تتميز "بين القصرين" بلغة روائية بلغت فيها واقعية نجيب محفوظ ذروتها؛ فهو يكتب بلغة عربية فصيحة في السرد والوصف بينما يستعين باللهجة المصرية في الحوارات أحياناً بأسلوب يجعل الشخصية تتحدث بلسانها الحقيقي لا بلسان الكاتب. وهذا التوتر الخلاق بين لغة السرد الفصيحة ولغة الشخصيات المُدار بمهارة يمنح الرواية طبقات متعددة تتناغم دون أن تتصادم.

وفي وصف البيئة والشخصيات يتسم أسلوبه بالصبر على التفصيل الذي لا يبدو أبداً حشواً لأن كل تفصيلة تُضيف بُعداً وتكشف عن شيء لم تكشفه التفصيلة التي سبقتها.

مكانتها في الأدب العربي

تحتل "بين القصرين" وما تلاها من جزأي الثلاثية مكانةً لا تُنازَع في صدارة الرواية العربية الحديثة؛ فهي الرواية التي أثبتت أن العربية تستطيع أن تحمل ملحمة روائية بالمعنى الكامل للكلمة، ملحمة تصل في عمقها وشمولها إلى ما وصلت إليه روائع الأدب الروسي والفرنسي والإنجليزي. وقد كانت هذه الثلاثية هي الحجة الأقوى التي استندت إليها لجنة نوبل حين منحت نجيب محفوظ الجائزة عام 1988م، ولا يزال كثير من النقاد يرون أن "بين القصرين" وحدها كانت كافيةً لتبرير هذا التكريم العالمي.

تبقى "بين القصرين" بعد سبعة عقود على صدورها رواية تُقرأ كأنها كُتبت أمس؛ لأن السيد أحمد عبد الجواد وأمينة وأبناءهم ليسوا شخصيات ورقية تسكن بين غلافين بل أرواح حية تسكن ذاكرة كل من قرأها ولا تُفارقها. وفيها يُعلّمنا نجيب محفوظ قبل أي شيء آخر أن الرواية حين تبلغ غايتها لا تحكي عن ناس آخرين بل تحكي عنك أنت وعن البيت الذي نشأت فيه وعن التناقضات التي تسكنك ولا تُفارقك.

تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.

اقتباسات القرّاء

  • «الجمال كالسراب لا يرى إلا من بعيد.»

    أضافه ابن يحيىالجمال، المرأةقبس

أضف مراجعة

اكتب اقتباساً أو خاطرة

تسجيل الدخول مطلوب لإرسال اقتباس أو خاطرة.

كتب قد تعجبك أيضاً