نجيب محفوظ
(1911م — 2006م)
نسبه ومولده
هو نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا، وُلد في الحادي عشر من ديسمبر عام 1911م في حي الجمالية بالقاهرة القديمة، ذلك الحي العتيق الذي يرقد في أحضان القاهرة الفاطمية وتتشابك أزقته وتتراكم طبقاته التاريخية فوق بعضها. وقد أخذ اسمه من الطبيب المصري الشهير نجيب محفوظ باشا الذي أشرف على ولادته، فكأن القدر أراد أن يُلصق باسمه منذ البداية اسماً سيصبح يوماً ما من أشهر الأسماء في تاريخ الأدب العالمي. نشأ في أسرة من الطبقة الوسطى المحافظة، وكان أبوه موظفاً حكومياً. وفي عام 1924م انتقلت الأسرة من الجمالية إلى حي العباسية، وقد ظلّ هذان الحيان مصدرَي إلهامه الأول وأصل خريطته الروائية التي لا تبعد كثيراً عن هذه الأرض التي وطأتها قدماه طفلاً وشاباً.
نشأته وتكوينه الفكري
كانت ثورة 1919م التي اشتعلت حين كان نجيب محفوظ في الثامنة من عمره الحدثَ الأول الذي وشم وجدانه الوطني وشماً لم يخبُ أثره؛ فقد رأى بعيني طفل يقظ مشاهد الثورة والصدام بين المصريين والإنجليز في أزقة القاهرة، وبقيت هذه الصور تتقطّر في رواياته لعقود. ثم التحق بالجامعة المصرية حيث درس الفلسفة وتخرج منها عام 1934م، وكانت الفلسفة رافداً خفياً لا يُرى بسهولة لكنه يجري في كل ما كتب؛ فتأملاته في الوجود والمصير والإنسان والإله لا تخلو منها رواية من رواياته مهما بدت على السطح روايةً اجتماعية أو تاريخية.
انشغل في شبابه بالفلسفة انشغالاً جعله يُعدّ لكتاب فلسفي، ثم انعطف نحو الأدب انعطافةً لم يرجع منها، وكان من أوائل قراءاته المؤسِّسة روايات دوستويفسكي وتولستوي وبلزاك وزولا وكبار الروائيين الغربيين، إلى جانب إلمامه بالتراث الأدبي العربي القديم. وهذا الجمع بين جذر عربي أصيل وانفتاح على الرواية الغربية هو الذي شكّل خصوصيته الروائية وجعله يُنشئ للرواية العربية مساراً لم يكن موجوداً قبله.
مسيرته الوظيفية
عمل نجيب محفوظ موظفاً حكومياً طوال حياته المهنية، وكان هذا الاختيار وعياً لا اضطراراً؛ إذ رأى في الوظيفة ضماناً للاستقرار المادي يُتيح له حرية الكتابة بعيداً عن ضغوط السوق وإملاءات الناشرين. عمل في وزارة الأوقاف ثم في مؤسسة السينما المصرية ثم في وزارة الثقافة، وتقاعد عام 1971م بعد أن أمضى في الخدمة الحكومية نحو أربعة عقود. وقد استقطع من هذه الحياة الرتيبة ظاهراً وقتاً للكتابة بانضباط مُذهل؛ فكان يكتب في الصباح الباكر قبل ذهابه إلى العمل أو بعد عودته منه، بانتظام لم يُخلّ به حرب ولا مرض ولا أزمة، حتى صار الانضباط سمةً لصيقة به أكثر من أي صفة أخرى.
مراحل إبداعه الروائي
تنقسم مسيرة نجيب محفوظ الإبداعية إلى مراحل واضحة المعالم، كل منها تُمثّل نضجاً وتحولاً حقيقياً لا مجرد تغيير شكلي:
المرحلة التاريخية — بدأ محفوظ مسيرته الروائية بثلاثية تاريخية تستلهم مصر الفرعونية: "عبث الأقدار" (1939م)، و"رادوبيس" (1943م)، و"كفاح طيبة" (1944م). وكان يريد في الأصل أن يكتب ملحمة تاريخية تُغطي التاريخ المصري كله في أربعين رواية، لكنه تخلى عن هذا المشروع الطموح حين أدرك أن الحاضر يُلحّ عليه أكثر من الماضي.
المرحلة الواقعية الاجتماعية — تُمثّل هذه المرحلة ذروة نجيب محفوظ الفنية ومحطته الأكثر شهرةً وتأثيراً؛ ففيها كتب رواياته عن الحياة في الأحياء الشعبية القاهرية القديمة بأسلوب واقعي اجتماعي بالغ العمق. وتبدأ هذه المرحلة بروايات مثل "القاهرة الجديدة" (1945م) و"خان الخليلي" (1946م) و"زقاق المدق" (1947م) و"السراب" (1948م) و"بداية ونهاية" (1950م)، وتبلغ ذروتها الكبرى بـالثلاثية.
الثلاثية — "بين القصرين" (1956م) و"قصر الشوق" (1957م) و"السكرية" (1957م): وهي الصرح الروائي الأعظم في تاريخ الأدب العربي، يرصد فيها تاريخ أسرة مصرية متوسطة عبر ثلاثة أجيال من أوائل القرن العشرين حتى ثورة 1952م. وقد أمضى في كتابتها قرابة سبع سنوات، وجاءت في ثلاثة آلاف صفحة تضجّ بالحياة وتفيض بالشخصيات والحارات والروائح والأصوات، حتى ليُخيَّل لقارئها أنه لا يقرأ رواية بل يعيش في هذه البيئة بكل تفاصيلها. والثلاثية هي التي أوصلت نجيب محفوظ إلى جائزة نوبل وإن جاءت الجائزة بعد ثلاثين عاماً من كتابتها.
مرحلة التجريب والرمز — بعد ثورة 1952م وما أعقبها من مناخ سياسي خانق، تحوّل نجيب محفوظ من الواقعية الصريحة إلى الرمز والتجريب والكتابة الفلسفية. وكانت رواية "أولاد حارتنا" (1959م) التي نُشرت مسلسلةً في جريدة الأهرام ولم تُطبع في مصر كتاباً إلا بعد وفاته بسبب حساسيتها الدينية، من أبرز ما كتبه في هذه المرحلة. ثم جاءت "اللص والكلاب" (1961م) و**"السمان والخريف"** (1962م) و**"الطريق"** (1964م) و**"الشحاذ"** (1965م) روايات تعبيرية نفسية تغوص في أزمة الإنسان الحديث الوجودية بأسلوب يختلف جذرياً عن واقعية الثلاثية.
"أولاد حارتنا" — تستحق هذه الرواية وقفةً مستقلة لأنها الأكثر إثارةً للجدل في مسيرته؛ فهي رواية رمزية كبرى تستعير من السيرة الإبراهيمية وتعيد تأويلها في إطار حارة شعبية مصرية، تناقش فيها الإنسان في علاقته بالسلطة والدين والعدل. وقد أفضى نشرها إلى موجة ضارية من الهجوم الديني جعلت نشرها كتاباً في مصر أمراً مستحيلاً إبان حياته.
مرحلة النضج الأخيرة — في السبعينيات والثمانينيات واصل محفوظ تجريبه وتنويعه فكتب "ملحمة الحرافيش" (1977م) التي تُعدّ من أجمل رواياته وأكثرها ملحميةً وشاعريةً، و**"ليالي ألف ليلة"** (1982م) التي تستلهم تراث ألف ليلة وليلة، و**"حديث الصباح والمساء"** (1987م) التي تروي تاريخ مصر الحديث عبر قصص متقاطعة. وكتب في هذه المرحلة أيضاً قصصاً قصيرة جمعها في مجموعات عديدة تُمثّل قمة الفن القصصي العربي القصير.
محاولة الاغتيال
في أكتوبر 1994م وهو في الثالثة والثمانين من عمره، تعرّض نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال بالطعن في رقبته بسكين نفّذها متطرف ديني بذريعة رواية "أولاد حارتنا". ونجا من الموت بأعجوبة لكنه فقد إثر هذا الاعتداء القدرةَ على الكتابة اليدوية بسبب تلف الأعصاب في يده اليمنى، فصار يُملي ما يُريد كتابته على من يكتب عنه. وقد كان هذا الاعتداء صدمةً هزّت العالم الأدبي كله وأثارت موجة تضامن دولية غير مسبوقة مع الرجل ومع حرية الإبداع.
جائزة نوبل
في أكتوبر عام 1988م أعلنت الأكاديمية السويدية فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب، ليكون أول أديب عربي يحظى بهذا التكريم العالمي الرفيع. وقد وصفته الأكاديمية بأنه "من خلال أعمال تتسم بالواقعية والرمزية غنية الدلالة، شكّل فناً أدبياً عربياً ينطبق على البشرية جمعاء." وقد أحدث الإعلان عن الجائزة ضجةً كبرى في العالم العربي؛ ففريق ابتهج بها باعتبارها اعترافاً عالمياً بالأدب العربي، وفريق هاجم منح الجائزة ورأى فيها مؤامرةً لا يُفصح عن دوافعها بسبب موقف محفوظ من اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية. وبقي نجيب محفوظ فوق هذا الجدل بسكينة الرجل الواثق من قيمة ما أنتج.
شخصيته وطريقة حياته
اشتُهر نجيب محفوظ بشخصية تجمع بين تواضع حقيقي يفتقر إليه كثير من أقلّ شهرةً منه، وحدة نظر ووضوح رأي لا يُتنازَل عنهما. كان يُداوم على الجلوس في مقاهي القاهرة جلسات لا تنقطع مع أصدقائه من الأدباء والمثقفين، وكانت هذه المقاهي مختبره الاجتماعي الذي يرصد فيه الحياة ويستمع إلى الناس. وكان مُواظباً على القراءة والاطلاع حتى حين كفّ بصره في سنواته الأخيرة فصار يستمع إلى ما يُقرأ له.
وكان يرفض السفر خارج مصر رفضاً شبه مطلق، ويُقال إنه لم يُغادرها إلا مرات قليلة في حياته كلها، وكأنه كان يخشى أن يُفقده الابتعاد عن هذه الأرض ذلك الاتصال الحي بنبضها الذي كان مصدر كل ما كتب.
أسلوبه الروائي
يتميز أسلوب نجيب محفوظ بقدرة استثنائية على خلق الشخصيات؛ فشخصياته تنهض حيّة من الصفحة ولا تُفارق ذاكرة قارئها، وهو ما يجعل قارئ الثلاثية مثلاً يشعر أنه يعرف السيد أحمد عبد الجواد وأسرته معرفة شخصية وثيقة كأنه جيرانهم أو أصدقاؤهم. وهذا السحر في خلق الشخصيات يأتي من دقة الملاحظة الإنسانية وعمق التعاطف مع التنوع البشري في كل تجلياته، من الشيخ المتديّن إلى المُجون الليلي، من الطموح الساعي إلى الراضي بما قُسم.
كما يتميز بـالحضور المكاني القوي الذي يجعل القاهرة القديمة شخصيةً روائية قائمة بذاتها لا مجرد خلفية تجري أمامها الأحداث. والحارة المحفوظية كيان حيّ له روحه وصوته وذاكرته وتقاليده ووقته الخاص الذي يختلف عن وقت الساعة.
وفاته
توفّي نجيب محفوظ في القاهرة في الثلاثين من أغسطس عام 2006م، وقد جاوز الرابعة والتسعين من عمره. وكان في سنواته الأخيرة يُعاني من وهن الشيخوخة وتراجع البصر، لكنه ظل يُملي ويكتب حتى آخر ما أمكنه. وشيّعه المصريون وداعاً يليق بمن صوّر حياتهم وحلم بحريتهم وأسمع صوتهم للعالم.


