
تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.
صفحة كتاب

«(مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذَا مُنظَرِينَ ) ٨] إلَّا بِالْحَقِّ : إلا تنزيلاً ملتبساً بالحكمة والمصلحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً تُشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي ﷺ لأنكم حينئذ مصدّقون عن اضطرار. ومثله قوله تعالى: (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ) [الحجر: ٨٥].»
«وَلْيَسْتَعْفِفِ}: وليجتهد في العفة وظلف النفس، كأن المستعف طالبٌ من نفسه العفاف وحاملها عليه. {لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} أي: استطاعة تزوج. {حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ} ترجيةً للمستعفين وتقدمة وعدٍ بالتفضل عليهم بالغنى، ليكون انتظار ذلك وتأميله لطفاً لهم في استعفافهم، وربطاً على قلوبهم، وليظهر بذلك أن فضله أولى بالإعفاء وأدنى من الصلحاء، وما أحسن ما رتب هذه الأوامر: حيث أمر أولًا بما يعصم من الفتنة ويبعد من مواقعة المعصية، وهو غض البصر، ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين، ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة عليه. قوله: (وظلف النفس)، الأساس: ظلف نفسه: كفها عما لا يحل. قال ربيعة بن مقروم: وظلفت نفسي من لئيم المأكل قوله : (ليكون انتظار ذلك [ وتأميله ] لطفاً لهم في استعفافهم)، يعني: في إيقاع الغنى غاية للأمر بالاستعفاف فائدتان: إحداهما ليُوطِّن المستعفف نفسه على الإمساك عن النكاح ولا يستعجل قبل الاستغناء؛ لئلا يورطه فيما يفضحه من كثرة العيال وقلة المال، فتكون الترجية لطفاً له. وثانيتهما : أنه تعالى لما رتب الأمر بالاستعفاف على قوله: يغنيهم اللَّهُ مِن فَضْلِهِ آذَنَ أَنَّ فضلَه أولى بالإعفاء؛ لأن ترتب الحكم على الوَصْفِ المناسب مشعر بالعلية، وكأنه قيل : استعفوا إلى أن يُغنيكم الله من فضله، ففي كلامه لف ونشر؛ لأن قوله: ليكون انتظار ذلك وتأميله متعلق بقوله: «ترجية للمُسْتَعفين»»
«وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ ليَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) ١٢٢] كان من حق الظاهر أن يُقال: ليتفقهوا في الدين وليعلموا قومهم إذا رَجَعُوا إليهم لَعَلَّهم يفقهون»، فوضع موضع «التعليم»: «الإنذار»، وموضع يفقهون»: ﴿يَحْذَرُونَ ) ليُؤْذِنَ بِأَنَّ الغَرَضَ من التعليم والتفقه اكتساب خشية الله والحذر من بأسه وعقابه.»
«وقولها : ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَئجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ كلامٌ حَكِيمٌ جامع لا يزاد عليه؛ لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان؛ أعني الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فَرَغَ بالك وتمّ مُرادك. وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياقُ المَثَل والحكمة أن تقول : استأجره لقوته وأمانته. قوله: (وقد استغْنَتْ بإرسال لهذا الكلام)، إشارة إلى أن هذا الكلام مع كونِهِ مِنَ الجوامع هو أيضًا دليل على إثبات هذا المدعى؛ لأنّ الحُكْمَ أَنَّ مَنْ فِيهِ هَاتَانِ الخُصْلَتَانِ فهو صالح للاستئجار، وقد شوهد فيه ذلك؛ فَوَجَبَ أنْ يُختار لذلك، فَذَكَرَ الدليل العام وترك الخاص لاستغنائه عنه؛ لأن الكلام سيق له. قوله: (سياقه سياقُ المَثَل)، أي أن قوله: ﴿خَيْرَ مَنِ اسْتَنْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ لعمومِهِ صار مثلا .»