صفحة كتاب

دلائل الإعجاز

غلاف دلائل الإعجاز
عبد القاهر الجرجاني
00 تقييم0 مراجعة

دلائل الإعجاز

التعريف بالكتاب

"دلائل الإعجاز" كتاب من أعظم ما أنتجه الفكر العربي الإسلامي في تاريخه الطويل، صنّفه الإمام عبد القاهر الجرجاني (نحو 400هـ / 1009م — 471هـ / 1078م)، وهو يُمثّل ذروة مسيرته العلمية وخلاصة تفكيره البلاغي واللغوي الذي أفنى فيه عمره. وإذا كان "أسرار البلاغة" قد كشف أسرار التصوير الأدبي وعالم الاستعارة والتشبيه، فإن "دلائل الإعجاز" يرتفع بالتفكير البلاغي إلى مستوى أعمق وأشمل، إذ يضع نظرية متكاملة في طبيعة اللغة والجمال الأدبي تنبثق من سؤال واحد جوهري: ما سرّ إعجاز القرآن الكريم؟

السؤال الذي أنجب الكتاب

لم يكن البحث في إعجاز القرآن جديداً حين كتب عبد القاهر كتابه، فقد سبقه إليه الرماني والخطابي والباقلاني وغيرهم. لكن عبد القاهر رأى أن هؤلاء جميعاً وقفوا أمام الإعجاز مُعجَبين دون أن يُفسّروا تفسيراً كافياً لماذا يكون هذا الكلام معجزاً، وأن الإجابات التي قدّموها ظلّت على سطح الظاهرة ولم تنفذ إلى جوهرها. فانطلق هو من حيث وقفوا، وسعى إلى تأسيس نظرية بلاغية تُفسّر الإعجاز تفسيراً علمياً عميقاً يكشف عن آليته لا يكتفي بالإشارة إليه.

نظرية النظم

توصّل عبد القاهر في "دلائل الإعجاز" إلى نظريته الكبرى التي عُرفت في تاريخ البلاغة بـنظرية النظم، وهي النظرية التي قلبت فهم العرب للجمال الأدبي ولطبيعة اللغة قلباً جذرياً لم يعد بعده شيء كما كان.

خلاصة هذه النظرية أن الجمال والبلاغة لا يكمنان في الألفاظ ذاتها، فليس لفظ في ذاته أجمل من آخر أو أشرف منه، ولا في المعاني المجردة وحدها، إذ إن المعاني مشتركة بين الناس جميعاً. وإنما تكمن البلاغة في النظم، أي في طريقة تأليف الألفاظ وترتيبها وتوجيه بعضها إلى بعض وفق مقتضى المعنى النحوي. فالكلمة تكتسب قيمتها وجمالها لا من ذاتها بل من موقعها في التركيب وعلاقتها بما قبلها وما بعدها، ومن الأثر الذي تُحدثه في بنية الجملة والنص كله.

والنظم عند عبد القاهر ليس مجرد حسن الترتيب الشكلي، بل هو في جوهره توجيه المعاني النحوية بعضها إلى بعض، أي أن النحو ليس قواعد شكلية للصواب اللغوي فحسب، بل هو في جوهره علم المعاني وعلم الجمال معاً، وما يُسمى بلاغةً هو النحو نفسه حين يُدرك بعين المتذوق لا بعين المصحّح.

الفصل بين اللفظ والمعنى

من أهم ما يُعالجه الكتاب هو الجدل القديم المتجدد حول أيّهما أولى بالاعتناء في الكلام: اللفظ أم المعنى؟ وكانت الآراء قبل عبد القاهر تتقاذف بين فريق يُقدّم اللفظ وفريق يُقدّم المعنى. فجاء عبد القاهر ليكسر هذه الثنائية الزائفة، مُقرِّراً أن السؤال نفسه في مبناه خاطئ، لأن اللفظ والمعنى لا ينفصلان في الكلام البليغ الحي انفصالاً يُتيح المفاضلة بينهما، وإنما يتشابكان ويتداخلان حتى يصيرا شيئاً واحداً. وما يُسمى جمال اللفظ إنما هو في الحقيقة جمال النظم الذي هو في الوقت ذاته جمال المعنى متجسّداً في هيئة التعبير.

الدلالة النحوية والجمال الأدبي

يُقدّم عبد القاهر في الكتاب رؤية ثورية في العلاقة بين النحو والبلاغة، إذ يُعلن أن النحو هو البلاغة حين يُنظر إليه نظرة صحيحة. فالتقديم والتأخير، والذكر والحذف، والتعريف والتنكير، والفصل والوصل، والقصر والتوكيد — كل هذه الظواهر النحوية ليست مجرد خيارات شكلية متكافئة، بل كل خيار منها يُنتج معنىً مختلفاً وأثراً مختلفاً وجمالاً مختلفاً. وبذلك يُثبت عبد القاهر أن الدراسة النحوية الدقيقة والتذوق الأدبي الرفيع ليسا طريقَين متوازيَين لا يلتقيان، بل هما وجهان لعملة واحدة.

التقديم والتأخير نموذجاً

يتوسّع عبد القاهر في تحليل ظاهرة التقديم والتأخير توسّعاً يكشف عن عبقريته التحليلية. فهو يُبيّن بشواهد دقيقة كيف أن تقديم كلمة على أخرى في الجملة العربية لا يُغيّر الموضع فحسب بل يُغيّر المعنى كله، ويُنتج تركيزاً وتخصيصاً وقصراً وتوكيداً لا يحصل بدون هذا التقديم. وهذا التحليل وحده كافٍ لأن يجعل الكتاب مرجعاً خالداً في الدراسات اللغوية.

الكتاب ودراسات الإعجاز

جاء الكتاب ليُرسي الأساس الأمتن لفهم الإعجاز القرآني على المستوى البلاغي؛ فعبد القاهر يُقرّر أن إعجاز القرآن لا يكمن في غرابة مفرداته ولا في كثرة معانيه وحدها، بل في نظمه الذي بلغ من الكمال حداً خرج به عن طاقة البشر جميعاً. وهو إعجاز لا يدركه إلا من أحكم فهم النظم ووعى أسراره، ولهذا كان كتابه في الوقت ذاته نظرية بلاغية عامة ودفاعاً عن الإعجاز القرآني بأسلوب علمي عقلي صارم.

أسلوب عبد القاهر في الكتاب

يكتب عبد القاهر في "الدلائل" بأسلوب يجمع بين متانة العالم الرصين وحيوية المجادل الذكي؛ فهو يُقدّم آراءه بثقة المستيقن لكنه لا يُقرّر دون أن يُثبت، ولا يُثبت دون أن يستشهد، ولا يستشهد دون أن يُحلّل. ويكثر في الكتاب أسلوب الحوار الافتراضي إذ يتخيّل اعتراضاً ثم يُفنّده، أو يطرح سؤالاً يدور في ذهن القارئ ثم يُجيب عنه، فتقرأ الكتاب كأنك في مجلس علمي حي لا تقرأ ورقاً جامداً.

أثره في الدراسات اللاحقة

لم يُؤلَّف بعد "دلائل الإعجاز" كتاب بلاغي مُعتبر إلا وكان الجرجاني حاضراً فيه شاهداً أو مرجعاً أو موضع نقاش. وقد أفاد منه الزمخشري في تفسيره "الكشاف" إفادة جلية، وبنى عليه السكاكي في "مفتاح العلوم"، وظلّ مرجعاً أصيلاً لكل من اشتغل بإعجاز القرآن أو بالبلاغة العربية. وفي العصر الحديث أعاد كبار الباحثين العرب كطه حسين وأمين الخولي وشكري عياد ومحمد أبو موسى قراءة الكتاب وإحياءه، فوجدوا فيه ما يُحاور به النظريات اللغوية والأسلوبية الغربية الحديثة بجدارة واقتدار، كاشفين أن عبد القاهر كان يصف بلغة القرن الخامس الهجري ما وصفه لغويو القرن العشرين الميلادي بمصطلحاتهم ومناهجهم، شاهداً على أن العقل العربي حين أُطلق بلغ مبلغاً لم يكن يعلمه حتى أصحابه.

تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.

اقتباسات القرّاء

  • «وصف الشعر والإدلال به وممَّا هو في غاية النُّدرة من هذا الباب، ما صنعه الجاحظ بقول نصيب: ولو سَكتوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ حين نثرَه فقال، وكتبَ به إِلى ابن الزيات: "نحنُ، أَعزك اللهُ، نَسْحَرُ بالبيان، ونُموِّه بالقول، والناسُ ينظرون إِلى الحالِ، ويقْضُونَ بالعِيان، فأَثِّرْ في أَمرنا أَثراً ينطِقُ إِذا سكَتْنا، فإنَّ المدَّعي بغير بينة متعرض للتكذيب".»

    أضافه Arabicthinkerقبس
  • «ومن سرِّ هذا البابِ، أنك تَرى اللفظَة المستعارةَ قد استُعيرتْ في عدَّةِ مواضعَ، ثم تَرى لها في بعضِ ذلك مَلاحةً لا تَجِدُها في الباقي. مثالُ ذلك أنك تَنْظر إلى لفظةِ "الجِسر" في قولِ أبي تمام: لا يَطْمعُ المرءُ أن يجْتابَ لُجَّتَهُ ... بالقولِ ما لمْ يَكُنْ جِسْراً له العَمَلُ وقوله: بَصْرْتَ بالرَّاحةِ العُظمى فلَمْ تَرَها ... تُنَال إِلاّ عَلَى جسرٍ منَ التعَبِ فتَرى لها في الثاني حُسْناً لا تَراه في الأَول، ثم تنظر إليها في قول ربيعة الرقى قُولي نَعمْ ونَعمْ إِنْ قُلتِ واجبةٌ ... قالتْ عَسى وعسى جِسْرٌ إِلى نَعَمِ فتَرى لها لُطْفاً وخَلابةً وحُسْناً ليس الفَضْلُ فيه بقليل»

    أضافه Arabicthinkerقبس
  • «مما استحسنه الجرجاني في كتابه بقوله شيءٌ في غايةِ الحُسْن قول القائل لو أنَّ ما أنتمُ فيهِ يدَومُ لكُمْ ... ظنَنْتُ ما أنا فيهِ دائِماً أَبدا لكنْ رأيتُ اللَّيالي غيرَ تاركةٍ ... ما سَرَّ مِنْ حادثٍ أوْ ساءَ مُطَّرِدا فقد سكَنْتُ إِلى أني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا وقوله القائل لَقد كنتَ في قومٍ عليكَ أشحَّةٍ ... بنَفْسِكَ إِلاّ أنَّ ما طاحَ طائحُ يَوَدُّونَ لو خاطُوا عليكَ جلودَهُمْ ... ولا تَدفعُ الموتَ النفوسُ الشحائحُ»

    أضافه Arabicthinkerقبس
  • «واعلمْ أنَّ مِن الكلام ما أنتَ تَرى المزيَّةَ في نَظْمه والحُسْنَ، كالآجزاءِ من الصِّبْغ تَتلاَحقُ وينْضَمُّ بعضُها إِلى بعض حتى تَكْثُرَ في العين، فأنتَ لذلك لا تُكْبِرُ شأْنَ صاحبهِ، ولا تَقْضِي له بالحِذْق والاستاذيَّة وسَعَةِ الذَّرْع وشدَّةِ المنَّة، حتى تَستوفي القطعةَ وتأتيَ على عدّةِ أبياتٍ. وذلك ما كانَ مِن الشعر في طبقةِ ما أنشدْتُكَ من أبياتِ البُحتريَّ ومنْهُ ما أَنْتَ تَرى الحُسْنَ يَهجُمُ عليك منه دفعةً، ويأتيكَ منه ما يملأُ العينَ ضَرْبَةً حتى تعرفَ منَ البيت الواحد مكانَ الرَّجُلِ منَ الفضْل، وموضعَه منَ الحذْق، وتشْهَدَ له بفضلِ المنَّة وطولِ الباع، وحتى تَعْلَم، إنْ لم تَعْلَم القائلَ، أنَّه مِنْ قِبَل شاعرٍ فحلٍ، وأنه خرجَ من تحتِ يَدٍ صَنَاعٍ، وذلك ما إذا أنْشَدْتَهُ وضعتَ فيه اليدَ على شيءٍ فقلتَ: هذا، هذا! وما كان كذلك فهو الشعر الشاعرُ، والكلامُ الفاخر، والنمطُ العالي الشريفُ والذي لا تَجده إلاَّ في شعْر الفحولِ البُزْلِ، ثم المطبوعين الذين يلهمون القول إلهامًا. شواهد من محاسن النظم: ثم إِنّك تحتاجُ إِلى أن تستقريَ عدَّة قصائدَ، بل أن تَفْليَ ديواناً من الشعر، حتى تَجْمعَ منه عدَّةَ أبياتٍ. وذلك ما كانَ مثْلَ قولِ الأَوّلِ، وتَمثَّل به أبو بكرِ الصّديقُ رضوانُ اللهِ عليه حين أَتاه كتاب خالد بالفتح في هزيمة الأعاجم: تَمنَّانا ليَلْقانا بقومٍ ... تخالُ بياضَ لأْمِهمُ السَرَابا فقد لاقيْتَنا فرأيْتَ حَرْباً ... عَواناً تمنعُ الشيخَ الشَرَابا أُنظرْ إِلى موضعِ "الفاء" فقد لاقيتنا فرأيت حربًا ومثل قول العباس بن الأحنف: قَالُوا خراسانُ أَقصى ما يُرادُ بِنا، ... ثُمَّ القفولُ، فقد جئْنا خُراسانا١ أنظرْ إِلى موضعِ "الفاء" و "ثم" قبلها. ومثلُ قولِ ابنِ الدمينة: أبينى أفي يمنى يديك جعلتني ... فأقرح، أمْ صَيِّرْتِني في شِمالِكِ أَبِيتُ كأَنّي بين شِقَّيْنِ من عَصَا ... حِذارَ الرَّدى، أو خيفة من زيالِكِ تَعَالَلْتِ كيْ أشْجى، وما بكِ علَّةٌ ... تُريدينَ قَتْلِي قد ظفْرتِ بذلكِ انظر إِلى الفصْل والاستئنافِ في قوله: تُريدين قتلي، قد ظفرتِ بذلك ومثلُ قولِ أبي حَفْصٍ الشَّطرنجيَّ، وقاله على لسانِ عُلَيَّةَ أُختِ الرَّشيد، وقد كان الرَّشيدُ عتبَ عليها: لو كانَ يمنَعُ حسْنُ الفعْلِ صاحبَهُ ... مِنْ أنْ يكونَ له ذنبٌ إِلى أَحَدِ كانتْ عليه أبرى الناس كلهم ... من أن نكافا بسوء آخر الأبد ما أعجب الشيء نرجوه فتحرمه ... قد كنت أحسب أني ملأت يدي انظرْ إِلى قولهِ: "قد كنتُ أَحسبُ" وإِلى مكان هذا الاستئناف.»

    أضافه Arabicthinkerقبس
  • «سبيل الكلام هو سبيل الصيغة والتصوير، وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه، سبيل الشيء الذي يقع عليه التصوير والصوغ كالفضة والذهب، يصاغ منهما خاتم أو سوار، فكما أن محالًا إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة العمل ورداءته، أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة، أو الذهب الذي وقع عليه العمل والصنع. كذلك محال إذا أنت تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه، وكما أننا لو فضلنا خاتمًا على خاتم، بأن يكون فضة هذا أجود أو فضته أنفس، لم يكن ذلك تفضيلًا له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتًا على بيت من أجل معناه لا يكون تفضيلًا له من حيث هو شعر وكلام، وهذا قاطع فاعرفه»

    أضافه ابن يحيىقبس
  • «إنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها ومقاديرها، وكيفية مزجها لها وترتيبه إياها إلى ما لم يهتد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، وكذلك حال الشاعر والشاعر في توخييهما معاني النحو ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم ...»

    أضافه ابن يحيىالبلاغةقبس
  • «إذا رجعت إلى نفسك علمت علمًا لا يعترضه الشَّك، ألا نظم في الكلم ولا ترتيب، حتى يتعلق بعضها ببعض، ويبني بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب تلك.... وإذا كان كذلك فعلينا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء، وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها ما معناه وما محصوله»

    أضافه ابن يحيىالبلاغةقبس
  • «الألفاظ التي هي أوضاع اللغة، لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض، فيعرف فيما بينها فوائد، وهذا علم شريف، وأصل عظيم»

    أضافه ابن يحيىالبلاغةقبس
  • «يكون اللفظ فصيحا من أجل مزية تقع في معناه لا من أجل جرسه وصداه»

    أضافه ابن يحيىقبس
  • «الاعتبارَ بمعرفةِ مدْلولِ العباراتِ، لا بمعرفة العباراتِ»

    أضافه ابن يحيىقبس

أضف مراجعة

اكتب اقتباساً أو خاطرة

تسجيل الدخول مطلوب لإرسال اقتباس أو خاطرة.

كتب قد تعجبك أيضاً