كان جدي الشيخ رجب عبد الله إذا قدم القاهرة وهو صبي مع رجال الأسرة ونسائها للتبرك بزيارة أهل البيت. دفعه أبوه إذا أشرفوا على مدخل مسجد السيدة زينب - وغريزة التقليد تغني عن الدفع - فيهوي معهم على علبته الرخامية يرشقها بقبلاته، وأقدام الداخلين والخارجين تكاد تصدم رأسه. وإذا شاهد فعلتهم أحد رجال الدين المتعالمين أشاح بوجهه: ناقماً على الزمن، مستعيداً بالله من البدع والشرك والجهالة، أما أغلبية السذاجة هؤلاء القرويين - ورائحة اللين والطين الشعبي فتبسم والحلية تفوح من ثيابهم - وتفهم ما في قلوبهم من حرارة الشوق والتبجيل لا يجدون وسيلة للتعبير عن عواطفهم إلا ما يفعلون: والأعمال بالنيات. وهاجر جدي - وهو شاب - إلى القاهرة سعياً للرزق، فلا عجب إن اختار لإقامته أقرب المساكن لجامعه المحبب. وهكذا استقر بمنزل للأوقاف قديم، يواجه ميضأة المسجد الخلفية، في الحارة التي كانت تسمى (حارة الميضة). وكانت، لأن معول مصلحة التنظيم الهدام أتى عليها فيها أتى عليه من معالم القاهرة. طاش المعول وسلمت للميدان روحه، إنما يوفق في المحو والإفناء حين تكون ضحاياه من حجارة وطوب! ثم فتح جدي متجراً للغلال في الميدان أيضاً. وهكذا عاشت الأسرة في ركاب الست، وفي حماها: أعياد الست أعيادنا، ومواسمها مواسمنا، ومؤذن المسجد ساعتنا. اتسع المتجر وبورك لجدي فيه – وهذا من كرامات أم هاشم - فما كاد يرى ابنه الأكبر يتم دراسته في الكتاب حتى جذبه إلى تجارته ليستعين به، وأما ابنه الثاني فقد دخل الأزهر، واضطرب فيه سنوات وأخفق، ثم عاد لبلدتنا ليكون فقيهاً ومأذونها. بقي الابن الأصغر - عمي إسماعيل - آخر العنقود، يهيئه القدر واتساع رزق أبيه لمستقبل أبهى وأعطر. لعله خشي في مبدأ الأمر، عندما أجبره أبوه على حفظ القرآن.
الصوفيةالتصوفالعقيدةالبدع
تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.