لم يكتبها ليعدد مميزاته وأعماله ومشواره ليصل إلى ما وصل إليه كأديب متميز وصل إلى العالمية، ولم يكتبها من عليائه إلى الأجيال الآتية بعده عله تستفيد، ولم يكتبها في الخفاء بعيدا عن عيوبه وزلات نفسه، بل كتبها بأسلوبه المعتاد في رواياته ومسرحياته، أسلوبه الممتع الذي يقدم لنا من التراث أسلوبا بليغا جميلا، ومن الواقع مواقف حياتية عميقة لا حصر لها، ومن نفسه خفة ظل وصراحة غير متكلفة غاية في الصدق ونظرة ثاقبة دائما تحمل الجديد. هذه هي سيرة توفيق الحكيم، أو بمعنى أدق جزء من سيرته أودعه قضبان هذا الكتاب ثم أسماه "سجن العمر"، وفيه لم يقدم سيرة وسردا فقط، وإنما أراد من خلال تذكره واسترجاع طفولته وشبابه وحكيه أن يتتبع ذلك الشيء "الطبع الذي يتخبط بين قضبان سجنه طول العمر" على حد تعبيره. فقد أراد أن يكتشف نفسه، ويرى من أين تفتقت بتلك الحياة التي عاشها، من أبيه أم من أمه أم الظروف أم الجميع أم ماذا؟ ولكن ليس هذا معناه أننا سندخل في دهاليز من الملل أو الرتابة أو الفلسفة الغامضة للبحث وراء تلك الحقيقة، إنما على النقيض سنجد صفحات شيقة لا نستطيع الابتعاد عنها أو الاستراحة منها بل لن نقدر إلا أن نأتي عليها دفعة واحدة، وهي ببراعة تفصلنا عما يحيط بنا وتدخلنا إلى عالم توفيق الحكيم الحقيقي. مولده ونشأته وأبيه وأمه ومدارسه وسفره إلى أوروبا، وهو العالم الذي نطالعه ونلتقط منه لقطات حقيقية رأينا بعض أضواء منها في أعماله. فنرى طفولة وصبا طالعناها في "عودة الروح"، وشبابا وغربة وخطوات تمهد بعيدا عن طريق القانون في "عصفور من الشرق" و"زهرة العمر". ولأنه عودنا على رسم الموقف وملامحه بأدق تفاصيله فهي صفحات تثري عقولنا وقلوبنا وتزخر نفوسنا معها بالتساؤلات والضحكات والعبرات والعبر.

شراء كتب عربيةعربيةكتبكتب عربيةمكتبةالشرق الأوسطشمال أفريقيامصرالسعوديةالعراقالجزائرالمغرب
تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.
