الكتاب عبارة عن دراسة تحليلية مقارنة لمنهجين متباينين في المعرفة؛ منهج الجاحظ الموضوعي الذي يجعل الأولوية في بناء المعارف للواقع وللحالة التي تكون عليها الأشياء، ومنهج التوحيدي الذاتي الذي يجعل الأولوية للفكرة التي تصدر من العقل والتي يتحدد بموجبها الحالة التي يجب أن تكون الأشياء عليها.
ويهدف الكتاب إلى تعريف القارئ بنمطين مختلفين من أنماط التفكير؛ الأول هو النمط الواقعي الذي يعتبر الواقع هو المرجعية الأساسية في بناء المعارف، وذلك بالطبع بتوسط عمل العقل وفق مبادئه وتصوراته، والثاني هو النمط المثالي الذي يعتبر المبادئ والتصورات العقلية هي المرجعية الأساسية في بناء المعارف، ويقتصر دور الواقع على التصديق فحسب على هذه المبادئ والتصورات الذهنية.

يعد التلازم بين الواقع والعقل أساسًا في درك المعارف لدى كلٍّ من الجاحظ والتوحيدي، بفارق تعويل الجاحظ على الواقع كأصل والعقل كفرع، وتعويل التوحيدي على العكس؛ أي اعتماد العقل أصلًا، والواقع فرعًا، فقد آمن كلاهما بالعقل سبيلًا للمعرفة، كما آمن كلاهما كذلك بالوجود الموضوعي لعالم الأشياء؛ فجاءت المعرفة لديهما حصيلة للتفاعل بين العقل والواقع؛ أي بين الذات المدرِكة والموضوع المدرَك، وهو ما يتفق مع الطبيعة الثنائية للمعرفة في الإسلام، والتي تثبت العقل أداة للمعرفة، وتقرُّ بالوجود الخارجي لعالم الأشياء مستقل عن العقل الذي يدركها.
تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.