"البداية والنهاية" كتاب تاريخيّ، عالمي وإسلامي، يؤرخ لمبدأ الخلق، وللأنبياء والرسل، وللسيرة النبوية، وحوادث الحياة الإسلامية إلى عام ٧٧٤ هـ ووصل منه إلينا إلى سنة ٦٦٨ هـ، وخاتمته ذكرُ الساعة وعلاماتها، وأحوال الآخرة وأهوالها.
وقد اهتم العلماء بهذا العلم، ورووا الأخبار رواية شفوية، ثم جاء التدوين للتاريخ من منتصف القرن الثاني الهجري، كما يؤرخ لذلك الإمام الذهبي. فيقول: "في سنة ثلاث وأربعين ومئة شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير. . وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودوِّنت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس، وقبلَ هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة" (٣).
وسبق ابن كثير في هذا المضمار التاريخي الإمام الطبري وابن الجوزي وابن الأثير، وكلهم كتب تاريخًا إسلاميًا جمع بين التفسير والتاريخ، أو بين الحديث والتاريخ، أو بين الفقه والتاريخ، وتميز تاريخ ابن كثير في "البداية والنهاية" بالجمع بين التفسير والحديث والفقه والتاريخ.
وحياة ابن كثير في دمشق، هيأته لكتابة التاريخ، وحفزته لهذا الإنجاز العظيم تأسيًا بشيخيْه المؤرخين: الذهبي والبِرْزَاني، كما أن عصره الذي عاش فيه، وهو عصر المماليك تميز بالاهتمام بالتاريخ والتأليف فيه.
ويبقى الحافظ ابن كثير مؤلِّفًا متفردًا عن غيره من المؤرخين ومتميزًا بهذه الخاتمة التي أنهى بها كتابه، فكان منطقيًا ومنسجمًا مع اسم الكتاب حيث كان حقًا تأريخًا لبداية البشرية، وتأريخًا لنهايتها في آن واحد .


