
تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.
صفحة كتاب

«جاء الشرع بالأمر بالشكر على النعماء، وإظهار المدح والثناء لله تعالى، على أفضاله وآلائه، قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحدث )[الضحى: ١١]، والنعمة هنا كل نعم الله في الدين والدنيا (ابن القيم ، ١٤٢٩هـ، ص ١١٦) ، فالاعتراف بالنعمة من شكرها، ولا يكون قصد المؤمن بالحديث عن نعمة الله محض الافتخار ولا تحصيل الاستطالة والتعاظم على الغير (انظر: ابن القيم، ١٤٤٠ هـ ب، ص ٦٩٣ - ٦٩٤). وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يُحب أن يرى أثر نعمته على عباده» (أخرجه الترمذي برقم ۲۸۱۹، وحسنه ابن حجر ابن حجر، ١٤١٦هـ ب، ص ٣٢). والمقصود به ترك التقتير على النفس، وتعمد قلة العناية باللباس ونظافة الثياب ونحوها بخلا وتزهدًا (انظر: الغزي، ١٤٣٢ هـ ، ج ۸، ص ٤١٧) . ومن المحظور المنكر أن يقصد كتمان نعمة الله عليه لئلا يقصده قرابته أو أصحاب الحاجة والمساكين وأمثالهم (انظر: المظهري، ١٤٣٣ هـ ، ج 5، ص ١٩). وهذا الأمر بإفشاء النعم إنما يكون مشروطًا بما ذكرت، وعند الأمن من المفاسد أو الضر والضرر، وقد استدل العلماء بإشارة يعقوب ليوسف عليهما السلام بكتمان رؤياه في قوله: ﴿ قَالَ يَبْنَى لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ [يوسف: ٥]؛ بجواز كتمان النعمة عند من يُخشى غائلته حسدًا وكيدا» (الهراسي، ١٤٠٣ هـ، ج ٤ ، ص ٢٢٩)، بل الكتمان في هذه الحال أولى (انظر: السخاوي، ١٣٩٩هـ ص ٥٧)، وفي قول يعقوب : ﴿ يَابني لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابِ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابِ مُتَفَرِّقَةٌ ﴾ [يوسف: ٦٧] حجة في الاحترازات خشية العين» (القصاب، ١٤٢٤هـ ج ١، ص ٦٢١)، من غير مبالغة في التحرز ولا تكلف زائد بل مع كمال التوكل على الله تعالى، والإيمان بقضائه وحكمه. والواقع أن إظهار النعم لا يكاد يسلم من الآفات والقصود الرديئة عندما ينشر في منصات التواصل، بسبب الطبيعة الاستعراضية والبيئة التنافسية لهذه المنصات كما سبق بيانه. هذا من جهة المفشي، أما من جهة المتلقي فإن متابعة أحوال المترفين والمنعمين قد يوقع المرء في مد العين المنهي عنه، يقول تعالى: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [طه: ١٣١]، والمراد بمد العين تطويل النظر، ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع، وأن من أبصر منها شيئا أحب أن يمد إليه نظره ويملأ منه عينيه قيل : لا تمدن عينيك (الزمخشري ، ١٤١٨هـ، ج ٤ ، ص ۱۲۰)، فالآية دالة على أن «النظر إلى متاع الدنيا على وجه المحبة والتعظيم لها ولأهلها منهي عنه ابن تيمية، ١٤٢٥هـ، ج ١٥ ، ص ٣٤٣؛ وانظر: ابن عبد السلام، ١٤٢١ هـ ، ج ١ ، ص ٣٤٤). والمتقرر عند أهل المعرفة أن النظر أصل الفتن القلبية والأشغال الباطنة؛ لانتقاش صور المرئيات في القلب» (ابن زكري، ١٤٤٢ هـ ، ج ٢ ، ص ٣٢٣). و من كمال البلاغة في الآية أن شبه تعالى مباهج الدنيا ونضرتها بالزهر؛ لحسن منظره، مع قرب ذبوله واضمحلاله (انظر: ابن جزي، ١٤٣٤ هـ، ج ۲، ص ٩٥٣)، وهذا أبلغ في التنفير عن الافتتان بحسن الدنيا الزائل ونسيان الجمال الخالد.»