هذا الكتاب يقصِدُ إلى تقديم أنموذج عال للعبقريَّة العلمية، متجسِّدةً في الإمام الشافعي رضي الله عنه، وذلك بقصد استلهام مكونات عبقريته لاستنبات عبقريَّات أخرى في محيطنا العلمي، فما أحوجَ الأمةَ اليوم إلى قيادات علميَّة عبقرية تحسِنُ أن تتفاعلَ مع واقعها بحكمة ناجزة وخبرة نافذة، مسبوقة بتأصيل علمي مكين وهضم تام للمنجَز المعرفي التراثي، تأتلف في أطروحاتها مكوناتُ العلم والمنهج من جهة، وسمات المعاصرة والتفاعل الحضاري من جهة أخرى، شأنُها في ذلك شأنُ قدواتها التاريخية الملهِمة التي كان لإسهامها قدمُ صدقٍ في الرقيِّ بهذه الأمة.

من أعذب ما قرأت في وصف لغة الشافعي قول تلميذه يونس بن عبد الأعلى: (ما كان الشافعي إلا ساحرًا، ما كنا ندري ما يقول إذا قعدنا حوله، كأن ألفاظه سُكَّر ) (۳). هذه القدرة البيانية كان لها أثر أيضًا في مناظراته ومباحثاته، حتى صار ألحن حجة وأقوم نظرًا، ولما قيل لأبي ثور وقت اتباعه منهج أهل الرأي بأن رجلا قدم بغداد ينصر مذهب أهل المدينة تعجب أن يكون لأهل المدينة مذهب يُنصَر ! فكان أنْ قَدِمَ مجلس ذلك النَّاصِرِ الذي لم يكن إلا الشافعي، فبهره ما رآه منه من بيان ومعرفة .. يحكي ذلك أبو ثور فيقول: (فنظرت إليه فإذا هو شاب، وإذا له لسانٌ لَدَّاغ). ثم سأل الشافعي فأجابه، فأقبل أبو ثور على أصحابه وقال لهم: (إن نقض عليكم أحد أمرنا فهذا ينقضه بلسانه وبيانه) (٤). وكتب أحد قواد هارون إليه واصفا الشافعي لما رفع إليه لتهمة ألصقت به: يعمل بلسانه ما لا يعمل المقاتل بسيفه)
تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.
