د.مشاري الشثريعرض الاقتباسنسخ الرابطالإِنْفِصَامُ عَنِ المَأْلُوفِ .. طَرِيقًا إِلَى إِدْرَاكِ العَبْقَرِيَّةِ مما يجدر التنبيه عليه في سياق الحديث عن العبقرية: أن جملة من معالم العبقرية لعلم ما لا يمكن إدراكها ولا تبين آثارها حتى ينفصم الناظر فيها عن مألوفه، ولا سيما فيما يتعلق بعامل «التأثير»، فلا بد من استجلاب الأفق المعرفي الذي كان يتحرك فيه من نريد اختبار عبقريته، وسبب ذلك أن كثيرًا من صور العبقرية يَذهَبُ بحقيقتها الإلفُ والاعتياد، فإذا ما قرأتها في كتاب متقدم قراءةً مجرَّدةً عن واقعها ومحيطها لم تفطن لجوهر الإبداع والابتكار فيها، والشافعي مثلا لو قرأت بعض تقريراته الأصولية ربما مرت عليك مرور الكرام دون أن تعتريك رِعْدَة الدهشة، وذلك لأنك أَلِفْتَها من الطرح الأصولي المتأخر، فظننتها من مغسول الكلام، والواقع أنها إنما تخلَّقَتْ على يد الشافعي، فهو المبدع لها، ومن بعده عالة عليه فيما قرره، ولتدرك ذلك فما عليك إلا أن ترجع بعقلك إلى ما قبل لحظة الشافعي، وتنظر إن كان بمقدورك أن تصنع ما صنع .. حينئذ تدرك فرادة ما أتى به الشافعي، وعلى ذلك فقس (1)د.مشاري الشثري · عبقرية الإمام الشافعي0قبس
د.مشاري الشثريعرض الاقتباسنسخ الرابطقال الشافعي: (جعلتُ لذتي في هذا العلم وطلبه حتى رزقني الله منه ما رزق) (۱). ولما سأله تلميذه الربيع بن سليمان (۲۷۰) هـ): كيف شهوتك للأدب ؟ قال: (أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه ، فتوَدُّ أعضائي أن لها أسماعًا تتنعم به مثل ما تنعمت الآذان). فقال له : وكيف حرصك عليه ؟ قال: (حرص الجموع المَنُوعِ على بُلُوغ لذته في المال). فقال: وكيف طلبك له ؟ قال: (طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره) (٢). لمثل هذا الحب وهذا التلذذ بالعلم والأدب كان الشافعي الشافعي ! وكان يُؤتَى بالرُّطَب فيُوضَعُ بين يدي أبي بكر ابن الأنباري (٣٢٨هـ) فلا يمسه، ويقول: (ما أطيبك وما أحلاك! وللعلم أطيب منك وأحلى) (۳)د.مشاري الشثري · ارتياض العلوم0قبس