الكتاب: النظرات
المؤلف: مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن محمد حسن لطفي المَنْفَلُوطي (ت ١٣٤٣هـ)
الناشر: دار الآفاق الجديدة
الطبعة: الطبعة الأولى ١٤٠٢هـ- ١٩٨٢م
عدد الأجزاء: ٣

تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.
صفحة كتاب

الكتاب: النظرات
المؤلف: مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن محمد حسن لطفي المَنْفَلُوطي (ت ١٣٤٣هـ)
الناشر: دار الآفاق الجديدة
الطبعة: الطبعة الأولى ١٤٠٢هـ- ١٩٨٢م
عدد الأجزاء: ٣
تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.
«" إن صديقك الذي يَبْسُمُ لك في حالَي رضاك وغضبك، وحِلمك وجهلك، وصوابك وسَقَطِك، ليس ممن يُغتبطُ بمودته، أو يُوثقُ بصداقته، لأنه لا يصلح أن يكون مرآتك التي تتراءى فيها فتكشف لك عن نفسك، وتصدُقُك عن زَينِك وشينك، وحُلوِكَ ومرك، وهو إما جاهل متهور في ميوله وأهوائه، فلا يرى غير ما تُريدُ أن ترى نَفسُهُ، لا ما يجب أن تراه، وإما منافق مخادع قد علم أن هواك في الصمت عن عيوبك وتجريرِ الذيول عليها، فجاراك فيما تريد، ليبلُغ منك ما يريد."»
«أكثَرُ النَّاسِ يعِيشُونَ في نُفوسِ النَّاسِ أكثَرَ مِمَّا يعِيشونَ في نُفوسِهم، أي أنهم لا يَتحرَّكونَ ولا يَسكُنونَ، ولا يأخُذونَ ولا يَدَعونَ إلا لأنَّ النَّاسَ هكذا يُريدُون ! ومَا عجِبتُ برَجُلٍ في حياتِي إعجابِي بِأديبٍ مِن أدباءِ هذه الأمَّة مِنَ الَّذينَ يملأونَ الصُّدورَ والأسماعَ؛ يكتُبُ الرِّسالةَ الَّتي يُريدُ كتابَتَها بيْنَهُ وبينَ نفسِه، ثُمَّ يُدلِي بها إلى صحِيفَةٍ مِن الصُّحُفِ، ثُمَّ يمضِي لسبِيلِه قُدُمًا كأنَّهُ ما صَنعَ شيئا، فلا يَسيرُ وراءَها سيرَ المُتَسمِّعِ المُتَجسِّسِ ليَعلَم ما رأيُ النَّاسِ فيها، وما حدِيثُهم عنها، وهل سخطُوا عليها، أو رضُوا بها ؟ حتَّى كِدتُّ أتخيَّلُ ألاَّ فَرْقَ عندَهُ بينَ: أحسنتَ وأجدتَّ، وأسأتَ وأخطأتَ !! حتَّى كدتُّ أحمِلُ تلكَ الحالَ الغريبَة مِن أمرِه على: البَلَهِ والغَفلَة، أو العَظَمَة والكِبرياء؛ لولا أنِّي فاتحتُه مرَّةً في ذلك، وسألتُه: لِمَ لا تَحفِلُ برَأيِ الكُتَّابِ فيك، ولِمَ لا تَقرأُ ما يكتُبونَ عنك ؟ فأجاب: إنَّني ما أقدَمتُ على الكتابَةِ للنَّاسِ في إصلاحِ شؤونِهم، وتقويم مُعوجهم؛ إلَّا بعدَ أن عرَفتُ أنِّي أستَطيعُ أن أنزلَ مِنهم منزِلة المُعلّم مِن المُتعلِّم. والنَّاسُ عامَّة وخاصَّة. فأنَا إنَّما أكتُبُ للنَّاسِ لا لأُعجِبهُم، بل لأنفعَهُم. ولا لأسمَعَ مِنهُم أنتَ أحسنتَ، بل لأجِدَ في نفوسِهم أثرًا ممَّا كتبتُ... أتدرِي لِمَ عجَِزَ كُتَّابُ هذه الأمَّةِ عن إصلاحِها ؟ لأنَّهُم يَظنُّونَ أنَّهُم لا يَزالونَ حتَّى اليومَ طلبَة يتعلَّمونَ في مدارِسِهم، وأنَّهُم جالِسونَ بينَ يَدَيْ أساتِذةِ اللُّغةِ يتلَقَّوْنَ عنهُم دُروسَ البَيانِ، فتَرَى واحِدًا مِنهُم يكتُبُ وهمُّهُ المالِئُ قلبَه: أن يُعجِب اللُّغوِيِّينَ، أو يروقَ المُنشِئِينَ، أو يُطرِبَ الأُدباءَ، أو يُضحِكَ الظُّرفاءَ؛ ولا يدخلُ بابَ أغراضِه ومَقاصِدِه: أن يتفقَّدَ المَسْلَكَ الَّذي يجِبُ أن يسلُكَهُ إلى قلوبِ الَّذينَ يَقولُ إنَّه يَعِظُهُم أو ينصَحُ (لهم) أو يُهذِّبُهم أو يثقفُهُم؛ ليعلم كيفَ ينفُذُ إلى نُفوسِهِم، وكيفَ يهجمُ على قلوبِهم، وكيفَ يَملكُ ناصِيةَ عقولِهم؛ فيعدِلَ بها عن ضلالِها إلى هُداها، وعن فسادِها إلى صلاحِها. فمثَلُه كمَثلِ الفارِسِ الكذَّابِ الَّذي تراهُ حامِلا سيفَهُ كُلَّ يومٍ إلى الجَوْهَرِيِّ ليُرصِّعَ له قبضَتَهُ، أو الحَدَّادِ ليَشْحذَ لهُ حدَّهُ، أو الصّقيلِ ليَجْلُوَ لهُ صفحَتَهُ، ولا تراهُ يومًا في ساحَةِ الحَرْبِ ضارِبًا بِهِ !»