حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (450 - 505 هـ)
ترجمة مختصرة:
الغزالي : محمد بن محمد بن محمد الطوسي ، أبو حامد الغزالي . حجة الإسلام . ولد سنة450هـ . لازم إمامَ الحرمين ، فبرع في الفقه ومهر في الكلام والجدل ، ولم يكن له علم بالآثار ، وأدخله سيلان ذهنه في مضايق الكلام ، وحبب إليه إدمان النظر في كتاب « رسائل إخوان الصفا » ، ولولا أنَّه مِنْ كبار الاذكياء لتلف كما يقول الذهبي ، كما أدَّاه نظره في العلوم ، وممارسته لأفانين الزهديات إلى رفض الرئاسة ، والتأله ، وإصلاح النفس . له تصانيف كثيرة منها : « تهافت الفلاسقة » ، و « المستصفى » ، و « إحياء علوم الدين » . توفي سنة 505هـ . السير (19/322) .
نسبه ومولده:
هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، وُلد عام 450هـ / 1058م في مدينة طوس بخراسان (في إيران اليوم). نشأ في أسرة متواضعة، وتوفّي أبوه وهو صغير، فأوصى به إلى صديق صوفي تكفّل بتعليمه وتعليم أخيه أحمد الذي صار صوفياً مشهوراً هو الآخر.
مسيرته العلمية
أظهر الغزالي منذ صغره نهماً علمياً استثنائياً، فتنقّل بين المدن طلباً للعلم. تلقّى العلوم الأولى في طوس ثم في جرجان، ثم انتقل إلى نيسابور حيث تتلمذ على يد إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، أكبر علماء عصره في الفقه والكلام، وبرع براعة فاقت أقرانه.
بعد وفاة الجويني عام 478هـ، انتقل إلى معسكر الوزير نظام الملك السلجوقي الذي أدرك عبقريته وعيّنه عام 484هـ أستاذاً في المدرسة النظامية ببغداد، فأصبح أشهر علماء العالم الإسلامي في ذلك الوقت، يحضر دروسه مئات الطلاب، وتُضرب به الأمثال في السعة والتحصيل والمكانة.
الأزمة الروحية والانقطاع
في قمة مجده وعطائه العلمي، وفي عام 488هـ، اعترضت الغزاليَ أزمة روحية وفكرية عميقة هزّت كيانه من الداخل؛ فقد أصيب بشكّ جذري في كل ما كان يعرفه ويُعلّمه، وأحسّ أنه يُعلّم لأجل الجاه والسمعة لا لوجه الله، وأن علمه قد فُصل عن روحه. فما كان منه إلا أن ترك منصبه وثروته وشهرته، وغادر بغداد مستخفياً، وانقطع للتأمل والتصوف والسياحة قرابة عشر سنوات، تنقّل خلالها بين دمشق والقدس والحجاز وغيرها، يتعبّد ويُفكّر ويُصفّي روحه.
عودته وخاتمة حياته
عاد الغزالي إلى نيسابور عام 499هـ بإلحاح من الوزير فخر الملك، وعاود التدريس فترة، ثم آثر العودة إلى طوس حيث أسس خانقاهاً للصوفية ومدرسة للفقه، وقضى سنواته الأخيرة في العبادة والتأليف والتصوف حتى وافته المنية عام 505هـ / 1111م، ولم يتجاوز الخامسة والخمسين من عمره.
فكره ومنهجه
تميّز الغزالي بأنه لم يكن عالماً في تخصص واحد، بل أحاط بعلوم عصره إحاطة نادرة:
في الفلسفة: درس الفلاسفة بعمق ثم انقلب عليهم، فكتب أولاً "مقاصد الفلاسفة" شرحاً لآرائهم، ثم أردفها بـ"تهافت الفلاسفة" هدماً لأسسها، وردّ على ما رآه من انحراف في آراء الفارابي وابن سينا في مسائل كقِدَم العالم وعلم الله بالجزئيات وحشر الأجساد.
في علم الكلام: برع في الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة وردّ الشبهات الكلامية بأدواتها نفسها.
في الفقه: خلّف مؤلفات فقهية متينة في المذهب الشافعي.
في التصوف: أعاد بناء الصلة بين الشريعة والحقيقة، ورأى أن التصوف الصحيح هو تصوف مُقيَّد بالكتاب والسنة.
أشهر مؤلفاته
إحياء علوم الدين — وهو تاج مؤلفاته وأعظمها، يقع في أربعة أجزاء كبار، يتناول العبادات والعادات والمهلكات والمنجيات، ويجمع بين الفقه والتصوف والأخلاق في منظومة متكاملة. قال عنه بعض العلماء: "لو ذهبت كتب الإسلام وبقي الإحياء لأغنى عمّا ذهب."
تهافت الفلاسفة — ردّ فيه على الفلاسفة وبيّن تناقضاتهم.
المنقذ من الضلال — سيرة فكرية روحية رائعة يصف فيها رحلته من الشك إلى اليقين، وتُعدّ من أنفس ما كتب في تاريخ الفكر الإسلامي.
الاقتصاد في الاعتقاد — في علم الكلام وأصول العقيدة.
مقاصد الفلاسفة — عرض موضوعي لآراء الفلاسفة.
ميزان العمل وـمعيار العلم وغيرها كثير، إذ تجاوزت مؤلفاته سبعين كتاباً ورسالة.
لقب "حجة الإسلام"
أُطلق عليه هذا اللقب العظيم لأنه وقف بعلمه وفكره سدّاً منيعاً أمام موجات الفلسفة المادية والباطنية والانحراف العقدي التي اجتاحت العالم الإسلامي في عصره، وأعاد للعلوم الشرعية روحها وحيويتها بعد أن كانت تكاد تتحول إلى قوالب جامدة خالية من التزكية والسلوك.
أثره وإرثه
يبقى الغزالي من أكثر العلماء المسلمين تأثيراً في تاريخ الفكر الإسلامي، بل امتدّ تأثيره إلى الفكر الغربي في العصور الوسطى. وقد ردّ عليه ابن رشد في "تهافت التهافت"، كما أثنى عليه علماء أجلّاء عبر القرون. وتبقى مؤلفاته حيّة تُدرَّس في المعاهد والجامعات حتى اليوم، وكأنه كتب لكل زمان.

