ابن عطية الأندلسي
أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي الغرناطي (481 – 541 هـ / 1088 – 1147 م)
النسب والمولد
وُلد أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي الأندلسي بمدينة غرناطة سنة 481 هـ، في أسرة عريقة النسب تنتسب إلى قبيلة مُحارب العربية. نشأ في بيت علم وفضل، إذ كان أبوه غالب بن عطية من العلماء المعروفين بالأندلس، مما أتاح له بيئة مواتية للتحصيل العلمي منذ حداثة سنّه.
طلبه للعلم وشيوخه
تلقّى ابن عطية علومه الأولى على يد والده، ثم رحل في طلب العلم إلى كبار علماء عصره في الأندلس. ومن أبرز شيوخه:
أبو علي الغساني — شيخ المحدّثين في الأندلس في عصره
أبو الوليد الباجي — أحد أعلام الفقه المالكي
أبو عبد الله بن سعدون القروي — في الحديث والفقه
أبو الحسن يحيى بن إبراهيم بن البياز — في القراءات والتفسير
وقد جمع بين علوم الشريعة وعلوم اللسان، فأتقن التفسير والحديث والفقه والعربية والأدب، حتى غدا من أوسع علماء عصره إلماماً بتلك الفنون.
مكانته العلمية
يُعدّ ابن عطية من أبرز علماء الأندلس في القرن السادس الهجري، وقد اشتُهر على وجه الخصوص بالتفسير، حتى وصفه العلماء بأنه إمام المفسّرين من أهل المغرب والأندلس. وقد أثنى عليه ابن خلدون في مقدمته ثناءً بالغاً، ونوّه إلى تفسيره بأنه أحسن التفاسير وأجمعها وأعدلها.
وإلى جانب التفسير، اشتُهر بسعة روايته للحديث، وعُني بعلم القراءات عناية فائقة، ومهر في الفقه المالكي، وكان ذواقةً في الأدب والشعر.
مناصبه وولاياته
لم ينقطع ابن عطية إلى العلم النظري وحده، بل تولّى مناصب رفيعة في الدولة:
تولّى القضاء في عدد من مدن الأندلس، أبرزها ألمرية ولورقة
عُيّن وزيراً وكاتباً في ديوان بعض أمراء الموحدين
اشتُهر بعدله ونزاهته في القضاء، وبسلامة سريرته في الولاية
مؤلفاته
أولاً: التفسير
المحرَّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — وهو تاج مؤلفاته وأشهر ما أبقته له الأيام، ويقع في خمسة مجلدات ضخام. يجمع فيه بين أقوال السلف في التفسير المأثور، وبين التحليل اللغوي والبياني والفقهي، مع نقد الروايات الضعيفة ونبذ الإسرائيليات. وقد اعتمده العلماء مرجعاً أصيلاً، واستمدّ منه القرطبي في تفسيره الكبير، وابن عاشور في التحرير والتنوير.
ثانياً: علوم الحديث والقراءات
فهرست في شيوخه ومروياته — وهي وثيقة علمية نفيسة تكشف شبكة إسناده الواسعة
مؤلفات في علم القراءات لم يصلنا أكثرها
صفاته وشخصيته
وصفه معاصروه وتلاميذه بأنه كان:
رحب الصدر واسع العلم
حريصاً على الدقة في النقل والتوثيق
جامعاً بين رصانة الفقيه وذوق الأديب
مُحتاطاً في رواية ما لا يثق بصحته
وفاته
توفي رحمه الله سنة 541 هـ / 1147 م بمدينة لورقة في الأندلس، وقيل في غيرها، بعد مسيرة علمية حافلة أثرت المكتبة الإسلامية بتفسيره الخالد.
أثره في الفكر الإسلامي
خلّف ابن عطية أثراً عميقاً في تاريخ التفسير القرآني؛ فتفسيره المحرَّر الوجيز يُمثّل نقلة نوعية في منهج التفسير، إذ أحكم الجمع بين الرواية والدراية، وهذّب ما قبله من تفاسير ونقّاه. ويبقى حتى اليوم من أمّهات كتب التفسير التي يرجع إليها الباحثون والمتخصصون.

