صفحة مؤلف

محمد بن داود الظاهري

محمد بن داود الظاهري

محمد بن داود الظاهري

محمد بن داود الأصفهاني الظاهري

(255هـ / 869م — 297هـ / 910م)

ترجمة مختصرة:

أبو بكر بن داود: محمد بن داود بن علي بن خَلَفَ الأصبهاني الظاهري. وهو ابن الإمام داود الظاهري. وُلِدَ ببغداد سنة 255هـ. وكان يلقَّب بعصفور الشوك؛ لنحافته، وصفرة لونه، وكان عالماً، أديباً، وشاعراً ظريفاً. مِن أذكياء العالم، وكان يناظر أبا العباس ابن سريج. له كتب، منها: الزَّهْرة (مطبوع).توفي ببغداد سنة 297هـ.تاريخ بغداد (3/158)، وفيات الأعيان (4/259)، الأعلام (6/120).

نسبه ومولده

هو أبو بكر محمد بن داود بن علي الأصفهاني الظاهري، وُلد عام 255هـ / 869م في بغداد حاضرة الخلافة العباسية. وأبوه هو الإمام داود بن علي الأصفهاني مؤسس المذهب الظاهري الذي يقوم على التمسك بظاهر النصوص ورفض القياس والرأي في الاستنباط الفقهي، فنشأ محمد في بيت كان مركزاً للعلم والجدل الفقهي يؤمّه العلماء والفقهاء من كل حدب وصوب.

نشأته وتكوينه العلمي

نشأ محمد بن داود في أحضان العلم وتشرّبه من ينبوعه الأصفى، فتلقّى على أبيه داود الظاهري أصول مذهبه وفقهه وطريقته في الاستدلال، وكان الأب يرى في ابنه تفوقاً واعداً جعله يُكثر من التحدث بمستقبله العلمي. وبعد وفاة أبيه عام 270هـ تصدّر محمد مجلس أبيه وهو في الخامسة عشرة من عمره، فأدهش العلماء بحضوره وأذهل الخصوم بجدله ونقضه لحججهم. وقد تتلمذ على كبار علماء بغداد في عصره في الفقه والحديث والأدب واللغة، وكان موهوباً في الشعر موهبةً جعلته يُعدّ في مصاف شعراء عصره إلى جانب كونه فقيهاً ومتكلماً.

شخصيته وسماته

اجتمعت في محمد بن داود شخصية مركّبة نادرة التكوين؛ فهو من جهة الفقيه الظاهري الصارم الذي لا يتساهل في رفض القياس ولا يُجامل في اتباع النص، ومن جهة أخرى الأديب المُرهَف الذي يرتعش قلبه بالشعر ويتوجع من الحب توجّع العشاق. وهذا التناقض الظاهر بين صرامة الفقيه ورقة الأديب هو ما يجعل شخصيته من أكثر الشخصيات إثارةً للتأمل في تاريخ الفكر الإسلامي.

وكان محمد بن داود مشهوراً بالعفة والتقوى والتزام حدود الشريعة في حياته الشخصية، وقد جاهد نفسه في حبّ الشاعر الجميل ابن جامع جهاداً بلغ به حدّ احتساب هذا الجهاد عبادةً وطاعةً، وهو ما يكشف عن بُعد روحي صوفي في شخصيته لم يكن مألوفاً في الفقيه الظاهري.

مذهبه الفقهي

ورث محمد عن أبيه داود قيادة المذهب الظاهري وتصدّر الدفاع عنه في بغداد التي كانت تموج بالمذاهب الفقهية المتنافسة. وقد كان مذهب الظاهرية يقوم على رفض القياس والاستحسان والمصالح المرسلة والرأي المحض، والتمسك بظاهر النصوص من الكتاب والسنة والإجماع. وكان محمد بن داود في مجالس الجدل الفقهي من أشدّ المدافعين عن هذه الأصول وأحدّهم لساناً وأمضاهم حجةً، فكانت مناظراته مع الشافعيين والحنابلة والحنفيين ميادين يخرج منها في الغالب ظافراً.

مكانته الأدبية

لا تقلّ مكانة محمد بن داود في الأدب عن مكانته في الفقه؛ فقد كان شاعراً مُجيداً تتميز أشعاره بالرقة والعمق والتعبير الصادق عن أحوال الروح في الحب والشوق والمكابدة. وكانت مجالسه الأدبية تجمع أعلام الأدب والشعر في بغداد، وكان المبرّد النحوي الكبير يُجلّه ويُثني على علمه وأدبه، وكذلك ابن المعتز الشاعر والأديب الشهير.

كتاب الزهرة

يبقى "كتاب الزهرة" أبقى آثار محمد بن داود وأكثرها شهرةً في تاريخ الأدب العربي، وهو كتاب في الحب والعشق جمع فيه طائفةً نفيسة من أخبار العشاق وأشعارهم وما عرض لهم من أحوال، وأضاف إليها تأملاته الخاصة ونظرياته في الحب. وقد صنّفه على طريقة بديعة جعلت لكل باب من أبوابه عدداً من الأبيات تُحدد موضوعه وتُعبّر عن جوهره، وجاء أسلوبه فيه جامعاً بين دقة الفقيه في التصنيف وحساسية الأديب في التعبير. ويُعدّ "كتاب الزهرة" المصدر الأول الذي أرسى في الأدب العربي مفهوم الحب العذري نظريةً وتطبيقاً، إذ يرى ابن داود أن الحب الحقيقي هو ما طهرت فيه النفس من الدنس ووقف المحب عند حدود العفة مهما اشتدّ الوجد وعظم البلاء.

قضيته مع ابن جامع

من أشهر ما يُروى عن محمد بن داود قصة حبه العذري للشاعر الجميل ابن جامع، وهي قصة ألهبت خيال الأدباء والمؤرخين وأثارت جدلاً واسعاً على مرّ القرون. فقد ابتُلي ابن داود بحبٍّ عميق جاهد نفسه فيه جهاداً مرّاً، وكان يرى أن الصبر على مرارة الهوى مع العفة والبعد عن المحرم ضرب من ضروب الجهاد الذي يُؤجر عليه العبد. وقد أفضت هذه القصة إلى مناظرة شهيرة دارت بينه وبين ابن جامع حضرها كبار علماء بغداد يحتجّ فيها ابن داود لمذهبه في أن حبّ الصور الجميلة وكبح هذا الحب عن المحرّم فضيلة لا رذيلة. وقيل إنه مات كمداً من هذا الحب ولم يتجاوز الثانية والأربعين من عمره.

مناظراته مع ابن سريج

من أشهر مناظراته في الفقه مناظراته المتكررة مع الإمام أبي العباس ابن سريج الفقيه الشافعي الكبير، وكانت هذه المناظرات من أعلى مناظرات العصر مستوىً وأكثرها إثارةً للجدل. وقد تفاوت أهل العلم في الحكم على غالبها، غير أنها جميعاً كانت تكشف عن قدرة ابن داود الفائقة في الجدل واستحضار الحجج وردّ الشبهات. وقد عدّ المؤرخون هذه المناظرات من أبرز ملامح الحياة الفكرية في بغداد في مطلع القرن الرابع الهجري.

وفاته

توفّي محمد بن داود الأصفهاني عام 297هـ / 910م في بغداد، ولم يتجاوز الثانية والأربعين من عمره. وقد اختلف المؤرخون في سبب وفاته المبكرة؛ فبعضهم يرويها وفاةً طبيعية، وبعضهم يُرجعها إلى حرارة الحب وما أنهكه من جهاد النفس في هواه المكبوت. وأياً كان السبب فإن وفاته كانت خسارةً مُضاعفة؛ خسر فيها الفقه مجادلاً من أمضى مجادليه، وخسر الأدب صوتاً من أرقّ أصواته وأكثرها صدقاً في التعبير عن المكابدة الإنسانية.

أثره ومكانته

يقف محمد بن داود الأصفهاني في تاريخ الفكر الإسلامي موقفاً فريداً يجمع بين طرفين لا يكادان يلتقيان؛ فهو في الفقه إمام الظاهرية بعد أبيه وحامل لوائها في أشد عصورها جدلاً وحيويةً، وهو في الأدب أحد مؤسسي أدب الحب العذري في العربية الذي سيرثه ابن حزم الأندلسي من بعده في "طوق الحمامة". وقد جعلت منه هذه الثنائية شخصيةً تستحق الدراسة المعمّقة لا باعتبارها تناقضاً بل باعتبارها دليلاً على أن الروح الإنسانية الكاملة لا تكتمل إلا حين تجمع بين صرامة العقل ورقة القلب.

1 كتاب0 متابع

اقتباسات

أبرز مقتطفات من كلام محمد بن داود الظاهري

بنفس أسلوب بطاقات «اقتباسات ملهمة»: مقتطفات معتمدة من الكتب، مرتبة بحسب تفاعل القرّاء.

جميع الاقتباسات
محمد بن داود الظاهري

محمد بن داود الظاهري · الزهرة

قبس

كتب المؤلف