صفحة كتاب

الحيوان

غلاف الحيوان
الجاحظ
00 تقييم0 مراجعة

الحيوان

الجاحظ (159هـ / 776م — 255هـ / 869م)

التعريف بالكتاب

"الحيوان" موسوعة أدبية علمية فريدة في تاريخ التأليف العربي، صنّفها أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ وهو في أوج نضجه الفكري وذروة عطائه الأدبي. ويقع الكتاب في سبعة أجزاء ضخام تجعله واحداً من أضخم المؤلفات التي عرفها النثر العربي الكلاسيكي. وقد سمّاه مؤلفه "الحيوان" لأن الحيوان بأجناسه وأنواعه وعجائبه هو المحور الظاهر الذي تدور حوله مادة الكتاب، غير أن هذا المحور ليس إلا منطلقاً يُطلق منه الجاحظ عنان قلمه وعقله الجبّار ليجوب بهما آفاق المعرفة الإنسانية كلها.

طبيعة الكتاب وإشكالية تصنيفه

من أعسر ما يواجهه من يريد وصف "الحيوان" أنه يأبى الانضواء تحت تصنيف واحد؛ فهو ليس كتاباً في علم الحيوان وحده، وليس كتاباً أدبياً خالصاً، وليس كتاب كلام وفلسفة، وليس كتاب أخبار وطرائف. بل هو كل هذه الأشياء في وقت واحد ولا يُختزل في واحدة منها. وهذا التمنّع على التصنيف هو في حقيقته من أجلّ صفات الكتاب وأكثرها تعبيراً عن عبقرية مؤلفه، فالجاحظ لا يكتب داخل قالب بل يكسر القوالب ويصنع لنفسه شكله الخاص.

وقد وصف الجاحظ نفسه كتابه بأنه كتاب طبيعة وحكمة وأدب وكلام وتاريخ ودين، وهذا الوصف المتعدد صادق تماماً، لأن الكتاب فعلاً كل ذلك في آنٍ واحد.

مادته وموضوعاته

ينطلق الكتاب من الحيوان موضوعاً مركزياً، فيستعرض الجاحظ أجناس الحيوان وأنواعه وخصائصه وطبائعه وغرائب أحواله وعجائب سلوكه، مستقياً مادته من مصادر متنوعة تجمع بين الملاحظة الشخصية الدقيقة والتراث العربي القديم من شعر ومثل وخبر والتراث اليوناني المترجم ولا سيما أرسطو في كتابه في الحيوان. غير أن الجاحظ لا يكتفي بعرض هذه المادة عرضاً علمياً جافاً بل يجعل منها منصةً للانطلاق إلى موضوعات أبعد وأعمق وأكثر إثارةً للعقل.

علم الحيوان والطبيعيات — يُسجّل الجاحظ ملاحظات دقيقة في طبيعة الحيوانات وسلوكها وتكيّفها مع البيئة، ويُبدي اهتماماً بظاهرة التغيّر والتحوّل في الكائنات الحية اهتماماً يجعل بعض الباحثين المحدثين يرون فيه استباقاً لبعض أفكار نظرية التطور بعشرة قرون قبل داروين، وإن كان الأمر يستوجب تحفظاً في المقارنة.

الكلام وعلم العقيدة — ينتهز الجاحظ الحديثَ عن الحيوان فرصةً للخوض في مسائل كلامية كبرى كالدليل على وجود الله ووحدانيته من خلال دقة الخلق وإتقان الصنعة، والرد على الدهريين والثنويين والملحدين بحجج مستمدة من عجائب المخلوقات. وهو في هذا يُقدّم نموذجاً مبكراً للاستدلال بالنظر في الكون على الخالق.

اللغة والشعر والأدب — يتخلل الكتاب شعرٌ غزير وأمثال وأخبار وطرائف لغوية تجعله مخزناً ثرياً من مخازن الأدب العربي. وكثيراً ما يُعرّج الجاحظ على مسائل لغوية أو نقدية أو بلاغية بمناسبة بيت شعر أو مثل سائر يستشهد به، فيُضرب عن الحيوان ضربة خاطف ليعود إليه من باب آخر.

الفلسفة والمنطق — يدور في ثنايا الكتاب نقاش فلسفي في طبيعة النفس والعقل والإدراك والغريزة، وما يُفرّق بين الإنسان والحيوان من حيث العقل والاختيار والإرادة. ويُبدي الجاحظ في هذه المسائل رأياً جريئاً يستفيد من الفلسفة اليونانية دون أن يُسلّم لها.

الاجتماع والسياسة والأخلاق — يُوظّف الجاحظ سلوك الحيوانات توظيفاً لافتاً في الاستدلال على مسائل أخلاقية واجتماعية وسياسية، إذ يقيس سلوك بعض البشر بسلوك الحيوان مقارنةً تارةً تمدح الإنسان وتارةً تذمّه وتارةً تُضحك.

الأديان والفِرق — يتناول الجاحظ الفِرق الكلامية والأديان المختلفة ويعرض حججها ويُناقشها، مُظهراً إلماماً بآراء المعتزلة والزنادقة والثنوية والمسيحيين واليهود.

أسلوب الجاحظ في الكتاب

لو أُريد وصف أسلوب الجاحظ في "الحيوان" بكلمة واحدة لكانت: الحرية. حرية العقل المنطلق الذي لا يُقيّده موضوع ولا يُحبسه باب؛ فهو يبدأ بالحديث عن الغراب ثم ينتقل إلى الفلسفة اليونانية ثم إلى بيت شعر جاهلي ثم إلى مسألة كلامية ثم إلى نكتة تُضحك ثم إلى حكمة تُبكي، كل ذلك في صفحات متتالية يجمعها خيط غير مرئي هو شخصية الجاحظ الطاغية وحضوره الأدبي الآسر.

ويتميز أسلوبه بـالسخرية اللاذعة التي تُبطّن النقد في ثوب المزاح، والتهكم الذكي الذي يُصيب الهدف وهو يبتسم. وهو لا يكتب للقارئ المُسلّم المُصفّق بل يكتب للقارئ المتحدي المتشكك، ولهذا تجده يُقدّم حججه بثقة المنتصر ويُفنّد الحجج المضادة بهدوء المتمكّن.

ومن أبرز ما يميز أسلوبه في "الحيوان" ما يُسمى بـالاستطراد؛ فهو يستطرد استطراداً مُتعمَّداً يجعل القارئ يُفاجأ بأنه انتقل من موضوع إلى موضوع لا صلة ظاهرة بينهما، غير أن الجاحظ يرى في هذه الانتقالات المفاجئة ضرباً من ضروب إيقاظ ذهن القارئ وتجديد انتباهه.

موقف الجاحظ من المعرفة

يكشف "الحيوان" بجلاء عن فلسفة الجاحظ المعرفية؛ فهو يرى أن المعرفة الحقيقية لا تحدّها حدود الاختصاص، وأن العالم الحق هو من يستطيع أن يرى الصلة بين الأشياء المتباعدة ظاهراً. ولهذا يجمع في كتابه بين الأرسطية والمعتزلة والشعر الجاهلي وأخبار الأعراب والفلسفة الفارسية والحكمة الهندية، دون أن يشعر بأي تناقض في هذا الجمع بل يرى في التنوع ثراءً لا تشتتاً.

كما يُبدي الجاحظ في "الحيوان" احتراماً نادراً للملاحظة الحسية المباشرة والتجربة العيانية في مقابل النقل الأعمى عن السابقين، وهو موقف علمي تقدمي لم يكن شائعاً في عصره.

قيمته العلمية والحضارية

يكتسب "الحيوان" قيمة حضارية استثنائية تتجاوز ما يحمله من معلومات عن الكائنات الحية؛ فهو وثيقة تاريخية تُصوّر مستوى المعرفة الإنسانية في القرن الثالث الهجري من علوم الطبيعة والفلسفة والكلام والأدب، وتكشف عن حجم الانفتاح الحضاري الذي بلغته الثقافة العربية الإسلامية في عصرها الذهبي حين استوعبت التراث اليوناني والفارسي والهندي وهضمته وبنت عليه دون أن تفقد شخصيتها.

وقد أولى المستشرقون الأوروبيون الكتابَ اهتماماً بالغاً منذ القرن التاسع عشر، وترجموا أجزاءً منه ودرسوا منهج الجاحظ في الملاحظة والتصنيف، ورأى بعضهم في تأملاته في تغيّر الكائنات الحية وتكيّفها مع البيئة بشارةً مبكرة للتفكير التطوري الحديث وإن ظلّ الأمر موضع نقاش بين الباحثين.

تحقيقه وطبعاته

نال "الحيوان" عناية تحقيقية جيدة في العصر الحديث، وكان من أبرز تحقيقاته تحقيق العلامة عبد السلام محمد هارون الذي صدر في ثمانية أجزاء، وقد بذل فيه جهداً علمياً مُضنياً في تخريج الشواهد وتوثيق المصادر وضبط النص، فجاء تحقيقاً يُعدّ مرجعاً معتمداً للباحثين. وقد صدرت بعده طبعات متعددة تستند إليه أو تُحاوره.

يبقى "الحيوان" بعد اثني عشر قرناً من تصنيفه كتاباً لا يُملّ ولا يُشيخ؛ لأن فيه من روح الجاحظ المتوثبة ما يجعله في كل قراءة كأنه يُقرأ لأول مرة. وفيه من الأسئلة الكبرى عن الطبيعة والإنسان والخالق ما لا تزال الأجيال تتداوله وتتجادل فيه. وفيه من الأدب الرفيع والفكر الجريء والسخرية اللماحة ما يجعله في كل زمان وثيقة حضارية تشهد على أن العقل العربي حين أُطلق حقاً لم يكن دون أي عقل في التاريخ الإنساني.

تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.

اقتباسات القرّاء

  • «إن أحببت أن تروي من قصار القصائد شعرا لم يسمع بمثله فالتمس ذلك في قصار قصائد الفرزدق فإنك لم تجد شاعرا قط يجمع بين التجويد في القصار والطوال غيره، وقد قيل للكميت إن الناس يزعمون أنك لا تقدر على القصار قال: من قال الطوال فهو على القصار أقدر. هذا الكلام يخرج في ظاهر الرأي والظن ولم نجد ذلك عند التحصيل على ما قال».»

    أضافه ابن يحيىقبس
  • «(العقلُ إذا أُكرهَ عَمِيَ) ص 452.»

    أضافه Mona Mohamedقبس
  • «من عجائب ما ذكر الجاحظ في حيوانه أن حشرة الجُعل تموت إن دفنت في الورد، وتنتعش إن نقلت إلى الروث! الحيوان 2// 112 قلت: وهكذا حال فئة من البشر؛ تعجز عن سكنى النور، ولا تنتعش نفوسهم إلا في الظلام الدامس.»

    أضافه Mona Mohamedحكمةقبس
  • «أنا أزعم أنّ صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا. ولولا أن أدخل في الحكم بعض الفتك؛ لزعمت أنّ ابنه لا يقول شعرا أبدا! وهما قوله: لا تحسبنّ الموت موت البلى … فإنّما الموت سؤال الرّجال كلاهما موت ولكنّ ذا … أفظع من ذاك لذلّ السّؤال»»

    أضافه ابن يحيىقبس

أضف مراجعة

اكتب اقتباساً أو خاطرة

تسجيل الدخول مطلوب لإرسال اقتباس أو خاطرة.

كتب قد تعجبك أيضاً