صفحة كتاب

البيان والتبيين

غلاف البيان والتبيين
الجاحظ
00 تقييم0 مراجعة

البيان والتبيين

الجاحظ (159هـ / 776م — 255هـ / 869م)

التعريف بالكتاب

"البيان والتبيين" كتاب من أعظم ما أنتجه النثر العربي على امتداد تاريخه، صنّفه أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ويقع في أربعة أجزاء تمثّل في مجموعها موسوعةً أدبيةً بلاغيةً لا نظير لها في عصرها. وقد اشتُهر الكتاب بين أهل الأدب شهرةً جعلته يُتداول عبر القرون حتى صار في مكتبة كل مثقف عربي، وحتى قيل فيه إنه لو لم يُؤلَّف الجاحظ إلا هذا الكتاب لكفاه فخراً وكفاه دليلاً على عبقريته.

موضوعه وطبيعته

يجمع الكتاب بين شيئين يبدوان للوهلة الأولى متباعدَين لكنهما في نظر الجاحظ وجهان لعملة واحدة: البيان بوصفه نظرية في الخطاب والتواصل الإنساني، والتبيين بوصفه تطبيقاً عملياً لهذه النظرية في نصوص وأخبار وخطب وأشعار ومواقف إنسانية حية. وهو بذلك يجمع بين التنظير والتمثيل جمعاً نادراً يجعله في الوقت ذاته كتاباً في البلاغة وكتاباً في الأدب وكتاباً في النقد وكتاباً في الاجتماع وكتاباً في التاريخ الثقافي.

مفهوم البيان عند الجاحظ

يقف مفهوم البيان في قلب الكتاب وعليه يدور كل شيء. والبيان عند الجاحظ ليس مرادفاً للفصاحة اللفظية المجردة كما قد يُتوهم، بل هو مفهوم أوسع وأعمق يشمل كل وسيلة يستطيع بها المتكلم أن يُفضي بما في نفسه إلى نفس سامعه إفضاءً تاماً واضحاً مؤثراً. ولهذا يُقرّر الجاحظ أن البيان خمسة أنواع:

اللفظ وهو الكلام المنطوق بكل ما يحمله من دلالة صريحة وإيحاء ضمني.

الإشارة وهي حركة اليد والرأس والعين وسائر أعضاء البدن التي تُؤدي معاني لا يُؤديها الكلام أحياناً.

العقد وهو الحساب والإشارات الرقمية التي كان العرب يستخدمونها للتواصل.

الخط وهو الكتابة بوصفها نظاماً بيانياً مستقلاً عن اللفظ.

الحال وهو ما يُعبّر عنه سياق الموقف ووضع الشخص وحاله من غير كلام ولا إشارة.

وبهذا التصنيف الخماسي يكون الجاحظ قد أسّس لنظرية في التواصل الإنساني تتجاوز الكلام المنطوق وتستوعب كل أدوات الإبلاغ، وهي نظرية تستبق بعشرة قرون ما أرساه علم التواصل الحديث في القرن العشرين من مفاهيم التواصل اللفظي وغير اللفظي.

الخطابة ومنزلتها

يُولي الجاحظ الخطابةَ عنايةً بالغة في "البيان والتبيين"، إذ يراها الفن الجامع الذي يتجلى فيه البيان في أكمل صوره. ويستعرض في الكتاب جملةً من الخطب العربية الكبرى، من خطب الجاهلية وصدر الإسلام وخطب الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، محلّلاً إياها ومُبيّناً مواطن البلاغة والتأثير فيها. وهذه الخطب المجموعة في الكتاب تُشكّل بمجموعها أثمن تراث خطابي في العربية، إذ حفظ الجاحظ بجمعها خطباً كان يمكن أن تضيع في غياهب النسيان.

ويُعلي الجاحظ من شأن الخطيب الذي يُحسن قراءة جمهوره فيُكيّف خطابه وفق طبائعهم وأحوالهم ومستوى إدراكهم، ويرى أن الخطيب الحق ليس من يُلقي ما أعدّه بصرف النظر عمّن أمامه، بل من يجعل من خطابه جسراً حياً بينه وبين السامعين.

الشعر والنثر في الكتاب

يزخر "البيان والتبيين" بثروة شعرية وأدبية هائلة؛ فالجاحظ يستشهد بآلاف الأبيات الشعرية ومئات الأمثال والحكم والأقوال المأثورة التي تجعل الكتاب كنزاً أدبياً في ذاته حتى مع تجريده من نظرياته وآرائه. وهو لا يكتفي بالاستشهاد بل يُحلّل ويُعلّق ويُقارن ويُقوّم، فتجد في الكتاب نقداً أدبياً مُبثوثاً في ثنايا الشواهد يكشف عن حسّ جمالي رفيع وذوق أدبي صافٍ.

وكان الجاحظ يرى في النثر الرفيع مكانةً لا تقلّ عن مكانة الشعر، بل كان يرى أن النثر في صورته الكاملة أشدّ عسراً وأكثر تكليفاً، لأن الشعر يستعين بالوزن والقافية اللذين يحملان الشاعر ويُعينانه، أما الناثر فلا عكّاز له سوى ملكته اللغوية الخالصة.

الكلام على الخطباء والبلغاء

يُقدّم الكتاب طائفةً من تراجم الخطباء والبلغاء العرب في العصور المختلفة، من الجاهلية إلى العصر العباسي، مع تحليل نقدي لأساليبهم ومزاياهم وعيوبهم. ومن أبرز هذه الشخصيات التي يتوقف عندها الجاحظ بالتحليل المُعمَّق: قسّ بن ساعدة الإيادي إمام الخطباء العرب في الجاهلية، وسحبان وائل الذي ضُرب به المثل في الفصاحة، والحجاج بن يوسف الثقفي الذي يُلفت الجاحظ إلى عظيم بلاغته مع إشارته إلى ظلمه. وهذه التراجم تجعل الكتاب مرجعاً تاريخياً نقدياً في الوقت ذاته.

الجاحظ والشعوبية

يُعالج "البيان والتبيين" قضية الشعوبية معالجةً تكشف عن موقف الجاحظ الصريح في الدفاع عن العرب وبيانهم في مواجهة من زعم من الشعوبيين أن الأعاجم أبلغ من العرب وأرقى أسلوباً. ويردّ الجاحظ على هؤلاء ردّاً يجمع بين الحجة العلمية والطرافة الأسلوبية، مستشهداً بعيون البلاغة العربية دليلاً على أن اللغة العربية بلغت من البيان ما لم تبلغه لغة أخرى. وهو في هذا الدفاع لا يُغلق باب الإنصاف بل يُقرّ لكل أمة بما تتميز به مع الإصرار على أن للعرب في البيان مكانة لا تُضاهى.

الطرافة والسخرية في الكتاب

لا يخلو "البيان والتبيين" من الجاحظ الساخر اللماح الذي لا يكاد يغيب حتى في أجدّ المواضع وأثقلها. فبينما تجد في الكتاب أعمق النظريات في البلاغة والخطابة تجد في الصفحة التالية نادرةً تُضحك أو حكايةً تُلفت وطرفةً تُبهج. وكان الجاحظ يرى في هذا التنويع منهجاً مقصوداً لا فوضى عارضة؛ فهو يُقرّر صراحةً أن الكتاب الذي لا يُريح القارئ ولا يُمتعه لن يُقرأ، وأن تناوب الجدّ والهزل ضرب من ضروب البيان الحكيم.

أثره في التراث البلاغي

أثّر "البيان والتبيين" في التراث البلاغي العربي تأثيراً يصعب حصره وتحديده لأنه تسرّب إليه من كل الجهات؛ فكل بلاغي جاء بعد الجاحظ أفاد منه سواء أشار إليه أم لم يُشر، وكل مؤلَّف في أدب الخطابة أو نظرية التواصل أو النقد الأدبي يجد في هذا الكتاب أصلاً يرجع إليه. وقد استفاد منه عبد القاهر الجرجاني في بنائه لنظرية النظم، وابن رشيق القيرواني في "العمدة"، وابن الأثير في "المثل السائر"، وكل من اشتغل بالبلاغة والنقد حتى اليوم.

تحقيقه وطبعاته

حظي "البيان والتبيين" بعناية تحقيقية جيدة في العصر الحديث، وكان أبرز تحقيقاته تحقيق العلامة عبد السلام محمد هارون الذي صدر في أربعة أجزاء واعتُمد مرجعاً رئيسياً للباحثين لما بذل فيه من جهد في تخريج الشواهد وضبط النص وتوثيق النسب. وقد صدرت من بعده طبعات متعددة تتباين في جودة التحقيق وإن كانت جميعها تستند في معظمها إلى جهد هارون.

يبقى "البيان والتبيين" بعد اثني عشر قرناً من تصنيفه واحداً من تلك الكتب النادرة التي لا تُقرأ للتاريخ فحسب بل تُقرأ للمتعة والفائدة والإلهام. ففيه من العقل المتوثب ما يُوقظ عقل القارئ، ومن الأدب الرفيع ما يُصفّي ذوقه، ومن السخرية اللماحة ما يُبسم شفتيه. وفيه قبل ذلك كله نظرية في البيان ترى أن الكلام وسيلة الإنسان الكبرى لأن يكون إنساناً حقاً، وأن من أُوتي البيان فقد أُوتي أجلّ ما يُؤتاه بشر بعد العقل.

تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.

اقتباسات القرّاء

  • «لا أعرف رفيقاً أطوع، ولا معلم أخضع، ولا صاحباً أظهر كفاية، ولا أقل جناية، ولا أقل تصلفاً وتكلفاً، من كتاب.»

    أضافه ابن يحيىالكتابقبس
  • «نهض الحارث بن حوط الليثي إلى علي بن أبي طالب، وهو على المنبر. فقال: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على ضلال؟ قال: «يا حار، انه ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال. فاعرف الحق تعرف أهله! (3/ 144).»

    أضافه ابن يحيىقبس

أضف مراجعة

اكتب اقتباساً أو خاطرة

تسجيل الدخول مطلوب لإرسال اقتباس أو خاطرة.

كتب قد تعجبك أيضاً