
تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.
صفحة كتاب

«قوله: ﴿ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . الوعظ: الكلام الذي تلين له القلوب . فإن قيل : يكثر في القرآن إطلاق الوعظ على الأوامر والنواهي كقوله هنا: ﴿ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ مع أنه ما ذكر إلا الأمر والنهي في قوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ - إلى قوله - وَيَنْهَى عن الْفَحْشَاءِ الآية، وكقوله في (سورة البقرة) بعد أن ذكر أحكام الطلاق والرجعة : ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) وقوله (في الطلاق) في نحو ذلك أيضًا : ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) وقوله في النهي عن مثل قذف عائشة : ( يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا الآية. مع أن المعروف عند الناس: أن الوعظ يكون بالترغيب والترهيب ونحو ذلك، لا بالأمر والنهي. فالجواب : أن ضابط الوعظ: هو الكلام الذي تلين له القلوب، وأعظم ما تلين له قلوب العقلاء أوامر ربهم ونواهيه، فإنهم إذا سمعوا الأمر خافوا من سخط الله في عدم امتثاله، وطمعوا من الثواب في امتثاله، وإذا سمعوا النهي خافوا من فيما عند الله سخط الله في عدم اجتنابه وطمعوا فيما عنده من الثواب في اجتنابه،فحداهم حادي الخوف والطمع إلى الامتثال،فلانت قلوبهم للطاعة خوفا وطمعا.»
«قوله تعالى : ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ الآية . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه امتن على بني آدم أعظم منة بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجا من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورا وإناثًا، وجعل الإناث أزواجا للذكور، وهذا من أعظم / المنن، كما أنه من أعظم الآيات الدالة على أنه جل وعلا هو المستحق أن يعبد وحده . وأوضح في غير هذا الموضع : أن هذه نعمة عظيمة، وأنها من آياته جل وعلا، كقوله : ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )»
«قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ . لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ آتى النَّبِيَّ ﷺ السَّبْعَ المَثانِيَ والقُرْآنَ العَظِيمَ، وذَلِكَ أكْبَرُ نَصِيبٍ، وأعْظَمُ حَظٍّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، نَهاهُ أنْ يَمُدَّ عَيْنَيْهِ إلى مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا الَّذِي مَتَّعَ بِهِ الكُفّارَ؛ لِأنَّ مَن أعْطاهُ رَبُّهُ - جَلَّ وعَلا - النَّصِيبَ الأكْبَرَ والحَظَّ الأوْفَرَ، لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى النَّصِيبِ الأحْقَرِ الأخَسِّ، ولا سِيَّما إذا كانَ صاحِبُهُ إنَّما أُعْطِيهِ لِأجْلِ الفِتْنَةِ والِاخْتِبارِ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ في (طه): ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ ﴿وَمِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى)»
«في هذه الآية الكريمة دليل واضح لما حققه علماء الأصول من جواز الاستثناء من الاستثناء؛ لأنه تعالى استثنى آل لوط من إهلاك المجرمين بقوله : ﴿ إِلَّا ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُوهُمْ أَجْمَعِينَ) ثم استثنى من هذا الاستثناء امرأة لوط بقوله : ﴿ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين) وبهذا تعلم أن قول ابن مالك في الخلاصة : وحكمها في القصد حكم الأول * / ليس صحيحًا على إطلاقه، وأوضح مسألة تعدد الاستثناء بأقسامها صاحب مراقى السعود فى مبحث المخصص المتصل بقوله : وذا تعدد بعطف حصل بالاتفاق مسجلاً للأول إلا فكل للذي به اتصل وكلها مع التساوي قد بطل إن كان غير الأول المستغرقا فالكل للمخرج منه حققا وحيثما استغرق الأول فقط فألغ واعتبر بخلف في النمط»
«(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) فانظر ما يدعو إليه القرآن من مكارم الأخلاق، والتنزه عما لا يليق، وقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا يدل على أن التشريع السماوي / يضع درجة الخائن من خمسمائة درجة إلى ربع درجة، فانظر هذا الحط العظيم لدرجته، بسبب ارتكاب الرذائل.»
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) في الأمر بالإكثار من ذكر الله تعالى في أضيق الأوقات؛ وهو وقت التحام القتال دليل واضح على أن المسلم ينبغي له الإكثار من ذكر الله على كل حال؛ ولاسيما في وقت الضيق، والمحب الصادق في حبه لا ينسى محبوبه عند نزول الشدائد .»
«﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يابَنِي إِسْرَاءِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولِ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) لطيفة لها مناسبة بهذه الآية الكريمة : ذكر بعض العلماء أن نصرانيا قال لعالم من علماء المسلمين ناظرني في الإسلام والمسيحية أيهما أفضل ؟ فقال العالم للنصراني : هلم إلى المناظرة في ذلك، فقال النصراني : المتفق عليه أحق بالاتباع أم المختلف فيه ؟ فقال العالم : المتفق عليه أحق بالاتباع من المختلف فيه. فقال النصراني : إذن يلزمكم اتباع عيسى معنا، وترك اتباع محمد ﷺ لأننا نحن وأنتم نتفق على نبوة عيسى، ونخالفكم في نبوة محمد عليهما الصلاة والسلام. فقال المسلم : أنتم الذين تمتنعون من اتباع المتفق عليه؛ لأن المتفق عليه الذي هو عيسى قال لكم: ﴿وَمُبَشِّرًا رَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ أَحَدٌ ) فلو كنتم متبعين عيسى حقا لا تبعتم محمدا ، فظهر أنكم أنتم الذين لم تتبعوا المتفق عليه، ولا غيره، فانقطع النصراني . ولاشك أن النصارى لو كانوا متبعين عيسى لاتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم.»
«(يود أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ) إذا عرفت معنى الآية فاعلم أن الله قد أوضح هذا المعنى مبينا أن الإنسان لو متع ما متع من السنين ثم انقضى ذلك المتاع، وجاءه العذاب أن ذلك المتاع الفائت لا ينفعه، ولا يغني عنه شيئًا بعد انقضائه، وحلول العذاب محله وذلك في قوله : ( أَفَرَءيتَ إِن مَتَّعْتَهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يمتعونَ ) وهذه هي أعظم آية في إزالة الداء العضال الذي هو طول الأمل. كفانا الله والمؤمنين شره .»
«لَا توجدُ آيةٌ في القرآنِ إلا دَرَسْتُهَا عَلَى حِدَةٍ" "كُلُّ آيَةٍ قال فيها الأَقْدَمُونَ شيئًا فهو عِنْدِي"!! "لم تَبْقَ آيةٌ إلا تَتَبَّعْتُ أقوالَ العلماءِ فيها، وعرفتُ ما قالوا"»