تأملات في الإنسان
رجاء النقاش (1934م — 2008م)
التعريف بالكتاب
"تأملات في الإنسان" كتاب من أجمل ما كتبه رجاء النقاش وأكثره قرباً من روحه الإنسانية الدافئة، وهو ينتمي إلى ذلك النوع النادر من الكتب التي لا تُصنَّف بسهولة تحت عنوان واحد؛ فليس نقداً أدبياً بالمعنى الاصطلاحي الصارم، وليس فلسفةً منهجية، وليس سيرةً ذاتية، بل هو مزيج دافئ من كل هذه الأشياء يجمعها خيط واحد هو التأمل العميق في الإنسان بكل ما فيه من تناقض وعظمة وضعف وجمال. وكأن رجاء النقاش في هذا الكتاب قرّر أن يضع قلمه الناقد جانباً ويُخرج قلبه الإنساني ليتحدث مباشرةً عمّا يراه في هذا الكائن المُحيّر الذي يُسمى الإنسان.
طبيعته وموضوعه
لا يسير الكتاب على خط موضوعاتي واحد صارم بل يتنقل بين موضوعات إنسانية كبرى تتشابك وتتداخل وتعود إلى بعضها من زوايا مختلفة في كل مرة. وهذا التنقل ليس فوضى بل هو طبيعة التأمل الحقيقي الذي لا يسير في خط مستقيم بل يتعمق دائرياً كلما عاد إلى نقطة ما وجد فيها ما لم يجده في المرة الأولى. والموضوع الجامع لكل هذه التأملات المتنوعة هو الإنسان بوصفه كائناً يستحق الدراسة والتأمل والدهشة، كائناً يحمل في داخله أعظم الطاقات وأشد الهشاشات في الوقت ذاته.
أبرز محاوره وموضوعاته
الإنسان والمعنى — يتأمل رجاء النقاش في سعي الإنسان الدائم الدؤوب إلى المعنى، ذلك السعي الذي لا يهدأ ولا يكتفي. ويرى أن أعظم ما يُميّز الإنسان عن سائر الكائنات هو أنه الكائن الوحيد الذي لا يستطيع أن يعيش دون أن يُسائل حياته ويطلب لها معنىً يُسوّغها. والأدب في نظره هو أرقى صور هذا البحث عن المعنى وأكثرها صدقاً.
الحب والإنسانية — يُولي رجاء النقاش الحبَّ عنايةً تأمليةً خاصة في هذا الكتاب، لا الحب بمعناه الرومانسي الضيق بل الحب بمعناه الإنساني الأشمل الذي يشمل حب الناس وحب الجمال وحب الوطن وحب الحياة. ويرى أن الحب هو الطاقة التي تجعل الإنسان يتجاوز حدود ذاته ويتصل بما هو أكبر منه، وأن الإنسان الذي فقد قدرته على الحب إنسان ناقص مهما بلغ من علم أو مال أو مكانة.
الأدب والروح الإنسانية — يتأمل النقاش في علاقة الأدب بالروح الإنسانية تأمّلاً يكشف عن فهمه العميق لوظيفة الكتابة الحقيقية. ويرى أن الأدب العظيم ليس ترفاً ثقافياً بل هو ضرورة إنسانية تتجاوز أهميتها أهمية كثير مما نعدّه ضرورياً، لأن الأدب هو الذي يُعلّم الإنسان كيف يرى ما لا يستطيع أن يراه بعيونه المجردة.
الألم والإبداع — من أعمق ما في الكتاب تأمله في العلاقة الغامضة بين الألم والإبداع، وكيف أن كثيراً من أعظم ما أنتجته الروح الإنسانية خرج من رحم المعاناة والمحنة. ويستشهد بتجارب أدباء وشعراء كانت حياتهم حقلاً من الآلام لكن شعرهم ونثرهم كان حديقة من الجمال، ويتساءل في دهشة صادقة عن السرّ الذي يجعل الجرح يُنتج الضوء.
الوطن والانتماء — يتأمل رجاء النقاش في معنى الوطن تأملاً يتجاوز السياسة إلى الأعماق الإنسانية؛ فالوطن عنده ليس خارطةً جغرافية ولا هويةً في جواز سفر، بل هو ذلك المكان الذي يحمله الإنسان داخله أينما رحل وحيثما أقام. ويُصوّر الغربة لا بوصفها مسافةً جغرافية بل بوصفها حالةً روحية يعيشها كل من انفصل عن جذره وأصله.
الذاكرة والهوية — يُعلي رجاء النقاش من شأن الذاكرة في تشكيل الإنسان، ويرى أن الإنسان هو ذاكرته في المقام الأول؛ فمن فقد ذاكرته فقد نفسه قبل أن يفقد أي شيء آخر. ويتأمل كيف أن الذاكرة الجمعية لأمة ما هي هويتها العميقة التي تصمد في وجه كل محاولات الطمس والإلغاء.
البساطة والعمق — يحتفي رجاء النقاش في هذا الكتاب بالبساطة احتفاءً لافتاً، ويرى أن أعمق الحقائق الإنسانية هي في الوقت ذاته أبسطها، وأن التعقيد في كثير من الأحيان ليس دليل عمق بل دليل غموض. ويُصوّر بساطة الفلاح المصري وحكمته اليومية الفطرية على أنها فلسفة في الحياة لا تقلّ عمقاً عن فلسفة الفلاسفة المحترفين.
أسلوبه في الكتاب
يكتب رجاء النقاش في "تأملات في الإنسان" بأسلوب يُعبّر أصدق تعبير عن شخصيته الأدبية الكاملة؛ فلغته بسيطة دافئة تُشعرك أن كاتبها يجلس إليك لا يُلقي عليك محاضرة، وأفكاره تأتي متدفقة طبيعية لا متكلفة مُصطنعة. ومن أجمل ما يُميّز أسلوبه في هذا الكتاب تحديداً قدرته على الانتقال من العام إلى الخاص ومن الخاص إلى العام بسلاسة لا تُحسّ فيها انقطاعاً؛ فهو يبدأ بتأمل إنساني كوني ثم يُجسّده في شخصية أو حادثة أو ذكرى شخصية، ثم يعود من هذه التفصيلة الصغيرة إلى الأفق الواسع دون أن تشعر بأي تعسّف في الانتقال.
وكثيراً ما يستشهد في هذا الكتاب بأبيات شعرية ومقاطع أدبية يختارها اختياراً يكشف عن ذوق أدبي صافٍ وذاكرة أدبية غنية مترعة، وكأن الأدب عنده ليس موضوع نقد خارجي بل هو جزء من تكوينه الداخلي لا يستطيع أن يُفكّر دونه.
مكانته في مؤلفات النقاش
يحتل "تأملات في الإنسان" مكانةً خاصة بين مؤلفات رجاء النقاش لأنه يُقدّم رجاء النقاش الإنسان لا رجاء النقاش الناقد، ويكشف عن العمق الفلسفي الإنساني الذي كان يُغذّي كتاباته النقدية من تحت. فمن قرأ رجاء النقاش في دراساته النقدية عن نجيب محفوظ ومحمود درويش وغيرهم وتساءل عن المنبع الذي يأتي منه ذلك الدفء الإنساني في نقده، يجد الجواب في كتاب كهذا يُصرّح فيه بما كان يُضمره في كتبه الأخرى.
