دراسة تبين الفروق بين العقل والنفس ووظيفة كل منهما، وتناقش أثر المعرفة والتجربة والهوى في الحكم والتكليف والسلوك الإنساني، مع تأصيل للمصطلحين من النصوص والمعاني الشرعية.

تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.
صفحة كتاب

دراسة تبين الفروق بين العقل والنفس ووظيفة كل منهما، وتناقش أثر المعرفة والتجربة والهوى في الحكم والتكليف والسلوك الإنساني، مع تأصيل للمصطلحين من النصوص والمعاني الشرعية.
تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.
شارك رأيك
أصبح إرسال «مراجعات عن الكتاب» من نموذج موحّد في صفحة المؤلف، والكتاب محدد لك مسبقًا.
«وأكثر الذين يفسدون الناس هم الذين حينما يعاقبون المخطئ ينظرون إلى كونه أخطأ فحسب، وحينما يثيبون المصيب ينظرون إلى كونه أصاب فحسب، وهذا لا تُساس به النفوس، ولا يستقيم به حال الناس. ص72.»
«العلم في أصله أفضل من الخبرة، ولكن قلة العلم مع كثرة الخبرة أنفع للإنسان من كثرة العلم بلا خبرة؛ لأن العلم إذا وضع في غير موضعه ضار، وربما يكون أضر من الجهل؛ لأن العلم دواء، وترك المريض بلا دواء أفضل من إعطائه علاجا ليس لمرضه، فقد يهلِك المريض بالدواء وهو دواء، ويهلِك الجاهل بالعلم وهو علم. ص7.»
«معرفة النفس وكلِّ مالها وما عليها، والعقل وكل ما له وما عليه واجب= حتى لا يظلم أحدهما الآخر، فلكل واحد منهما حق، والالتباس يجعل الإنسان لا يفرق بين الوسوسة وبين التفكير، وبين العلم والمعرفة وبين الشهوة، وللنفس شهوات لم تخلق إلا لتعطى، وللعقل علم لم يتحصل إلا ليقُود، والنزاع بينهما في تحقيق كل واحد منهما لما يريد يكون بمعرفة المحدود؛ حتى لا تقود النفس الإنسان إلى شهواتها باسم العقل، ولا يقود العقل الإنسان إلى حرمان النفس من كل ما لها باسم الحصافة والحزم. ص15.»
«الله لم يذم العقل لذاته، ولكنه ذم النفس لذاتها، فإذا ذَكر العقل ذَم عدم استعماله وإعطائه حقه في التفكر والتأمل؛ كقوله تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا [الأعراف:179]، وقوله: أَفَلَا تَعْقِلُونَ [البقرة:44]، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:73]، لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [الأنعام:65]، أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام:50]، لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ [يوسف:46]؛ فالعقل لا يأمر بالشر ولا بالخطأ. وأما النفس فيتوجه الذم إليها بذاتها؛ لأنها المؤثرة في العقل، وهي التي تأمره بالخطأ والسوء إِنَّ الْنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [يوسف:53]، فدخل الاستثناء عليها لأن الأصل فيها كذلك؛ ولأجل هذا جاء التحذير من النفس كثيرا، ولم يأت التحذير من العقل ولو مرة. ص21.»
«لما كانت نفوس المشركين مبتلاة بالهوى أنكرت نبوة النبي لأنه بشر، ولكن نفوسهم لم تتفطن عند هذا الاحتجاج أنهم يعبدون ربا من حجر، فكيف تقبل ربا من حجر، وتنكر نبوة أحد لأنه بشر. ص23.»
«أكثر الناس فشلا من يستخدم عقله وهو لا يعرف نفسه. ص23.»
«العقل وعاء للعلم، وكلما كثر علمه ومعرفته وخبرته أثر فيه، وإذا اجتمع مع كثرة العلم كثرة تفكير ازداد تأثير ذلك فيه، وإذا صاحب ذلك إيمان وذكاء قلما يغلب؛ لا من نفسه الأمارة، ولا من نفس غيره، ولا من الشياطين ووساوسهم. ص25.»
«تغيير طبائع النفوس ثقيل جدا، ومنها ما هو محال، ولو كابر الإنسان. ص27.»
«إذا أعطى الله الإنسان الكمال في طبع لم يكمل له الآخر غالبا؛ حتى يكون فيما نقص من طبعه محتاجا إلى غيره، وهذا التباين تعرفه العقول وتدير منافعها بحسَبه؛ ولهذا فإن الناس مطبوعون على التآلف لأجل ذلك؛ يعلم نقصه في أشياء، فربما احتاج إلى غيره يوما ما لتكميلها، فيحفظ وده لتبقى سنة التوازن في الطبائع. ص34.»
«أكثر اختيارات العقول التي تكون وقت عدم استقرار النفس وتوازنها تكون عاقبتها ندامة وملامة. ص41.»
«النفس إذا أحبت علما ضبطته وأبدعت فيه، فحب العلم قبل التعلم، ومكان الحب في النفس وليس في العقل، وتحبيب النفس وترويضها لما يراد تحميلُه العقلَ مؤثر في ضبط العقل له وتثبيته فيه، ومؤثر في أدائه ونفع الناس به، فالنفس مؤثرة مستبدة على العقل، لو أُعطي العقل ما لا تحبه ولا تريده صَرفت العقلَ عن الاهتمام به وأدائه وانتفاع الإنسان نفسِه وغيرِه به؛ ولهذا يوجد في كثير من الناس علماء وعارفون بعلوم لم ينفعوا أنفسهم ولا غيرهم من الناس بتلك العلوم نفعا يوازي حجم علمهم، ويوجد أناس أقل منهم علما هم أكثر نفعا بعلمهم منهم، بل إذا انصرفت النفس بهمها عما تحمَّله العقل فقد تعطل نفعه كلُّه، كما يوجد علماء حذاق في الدين والطب والحساب والفلك صرفتهم نفوسهم إلى التجارة أو السياحة أو الصيد، أو ربما تربية الحيوانات؛ كالطيور أو الإبل والغنم وغيرها. ص48-49.»
«من الطبائع النفسية ما يحول بين العقل وبين تعلمه، وإن تعلم فإنه يحول بينه وبين انتفاعه ما تعلمه، وذلك كطبع الكبر، فلا يوجد في الطبائع النفسية أشد ضررا على العقل من الكبر، وقد عده الحكيم الترمذي من أضداد العقل، وهو من الطبائع التي يكون الجهل لها خيرا من العلم فيها، فالكبر يُوجِد في النفس نشوة بمقدارها تمنع العقل من تحصيل العلم أو الانتفاع به، وكل شعور يعتري النفس يجعلها فوق حقيقتها فذلك هو الكبر، وإذا كانت النفس تظن حالها كذلك فبمقدار شعورها ذلك يكون ضعف رغبتها في تحصيل العلم، وإن حصلته يضعف تفكيرها بعلمها، ثم يضعف انتفاعها بما لديها؛ لأنها لا ترى حاجة فيها إلى ذلك؛ لما تعيشه من وهم يغنيها عن ذلك، وفي تلك النفوس يقول الله: إِنْ فِيْ صُدُوْرِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيْهِ [غافر:56]. ص49-50.»
«ومن الوهم ما لا تشعر به النفوس ولا تؤمن به، فيتأثر تبعا لذلك العقل؛ كوهم ابن العالم غناه عن العلم، فيضعف أخذه للعلم؛ ولهذا قلما يوجد في أبناء حذاق العلماء من هو مثلهم، وهذا الوهم كامن، حتى إنه قد يمنع بعض تلك النفوس من السؤال عما لا تعلم فتستفيد علما. ص51.»
«إذا كان الإنسان يعيش وهم العلم كان أضعف الناس طلبا له؛ لأنه لا يطلب ما هو محصله. ص55.»
«في أزمنة الاضطراب، وكثرة الحوادث والنوازل، والفتن المتسارعة تضطرب النفوس وتنجذب إلى تلك النوازل، حتى يشق على العقل العلمُ والعملُ واستيعابُ مهمات الأمور وأولوياتها، وتحتاج العقول إلى مجاهدة النفس مجاهدة شديدة قوية تدفعها إلى العلم والعمل، وغالبا ما تكون مقصرة، وفي هذا جاء الحديث أن العبادات في مثل هذه الأزمنة أعظم أجرا وأكثر ثوابا؛ قال : (العِبَادَةُ فِي الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ) [مسلم]، والهرج هو: كثرة الفتن الموجبة للتقاتل بين الناس، وحينها تسلُب النفوسُ من العقول وعيَها ويقظتها؛ كما في الحديث الآخر: (إِنَّهُ لَتُنْزَعُ عُقُوْلُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ) [أحمد]، وكلُّ وقت تنجذب فيه النفس إلى ما يجعلها مضطربة فإنها تحتاج من العقل إلى شدها إليه، وهذا عسير، وبمقدار ذلك تكون منزلة العقول في العلم والعمل والثواب عليهما. ص60.»
«من النفوس من هي رقيقة ضعيفة لا تصلح أن تعلم علما ثقيلا عليها، ويشق عليها تطبيقه أو العمل به؛ كتعليم هذه النفوس المطبوعة على الرقة علوما لا تناسب طبعها؛ كبعض علوم الطب كالتشريح وزراعة الأعضاء، أو دفعها إلى المواجهة في مواضع إصلاح المفسدين أو النزاع والقتال، فهذه تصلح لما يوافق طبعها، وإن تم وضعها في غير طبعها انقطعت عنه، وإن أصابتها شدة أو ألم بسبب عملها انتكست عنه، وكان ضررها بعد انتكاستها أعظم من نفعها حال استقامتها. ص61.»
«النفس إذا تم عقابها على كل خطأ كان فسادها أكثر من صلاحها، ولو توهم من عاقبها الإصلاحَ، والأخطاء والمحرمات التي لم يأت عليها عقوبات في الشريعة أكثر من الأخطاء والمحرمات التي جاءت عليها عقوبات، بل هي أكثر منها بأضعاف مضاعفة. ص67.»
«ليس كل من حمل علما كان صالحا للعمل به، وقد تكون النفس لا توافق العمل بهذا العلم؛ إما لضعفها إذا كان العمل شديدا، أو لقوتها إذا كان العمل يلزم منه اللين، ويقابلها نفوس تصلح للعمل ولا تصلح للعلم؛ لأن العلم يحتاج إلى صفات تكون في آخذه، وليس كل عالم يضع العلم في موضعه، ولكنه لو كان عاملا وأمر بالعمل في موضعه لأحسن في عمله وأتقنه. ص75.»
«كلما كان العقل بصيرا بالعواقب خبيرا بها، كان ضبطه لنهم النفس أقوى، وكانت هي في مواجهته أضعف. ص91.»
«كثير من المصلحين يرى الناس مستمرين على الأخطاء بأفعالهم غير مقلعين عنها ولا مستمعين لقوله، ثم يدركه الملل واليأس فيتركهم، مع كونهم يفعلون الأخطاء بشهوة وانقياد للنفس على الجسد فحسب، من غير قناعة العقل ويقين القلب، والواجب عليه أن يستمر؛ لأنه ثمة فرق بين فعلهم للشهوة وهي شهوة، وبين فعلهم للشهوة وهي شبهة، وفرق بين تزاوج أنفسهم مع أفعالهم، وبين تزاوج أنفسهم مع عقولهم، واستمرار المصلح في إصلاحه يحافظ على انفكاك الباطن ولو كان الظاهر متصلا بالأخطاء مستمرا عليها. ص102.»
«شهوة الجاه هي أم الشهوات؛ لأن الجاه إذا تحقق حقق بقية الشهوات وجلبها جميعا، وأما غير شهوة الجاه فلا يلزم إذا تحققت أن يُحقَّق الجاه معها. ولشهوة الجاه فروع كثيرة، فإذا تعلقت النفس بها تحايلت على كل أسبابه التي توصل إليه بحيل تحير العقل، حتى تستدعي مدحها بأساليب ذمها، وربما تتحمل ما تكره ليمدحها الناس، حتى ربما تقتحم الموت لتمدح بالشجاعة، فتحب المدح من ورائها وهي ميتة ولو لم تسمع أصوات المادحين ولم تستمتع بآثار مدحها من تقدير وتعظيم وإجلال. ولا يوجد شهوة تقود الإنسان وتأسر عقله كشهوة الجاه إذا تمكنت منه، وهي شهوة تتشكل في النفس بأشكال تستعصي معرفتها في كثير من الأحيان على الإنسان، فربما تكون ظاهرة، وربما تكون خفية، وربما تكون مستترة تحت شهوة أخرى متخفية في النفس، فتريد أن ترتفع على غيرها فتتخذ غيرها عتبة، وإذا عرف العقل مداخل النفس وطرقها استطاع إغلاق منافذ ذلك عليها حتى لا تؤثر فيه وهو لا يشعر. ص103-104.»
«الجاه إذا كان غاية ومنتهى فإن من يطلبه إذا لم يجده بهذه الوسائل فسيطلبه بغيرها من وسائل السوء، وربما يتخذ وسائل الخير حتى توصله إلى الغاية، فإذا لم يجدها هناك فإنه سيتغير ويترك تلك الوسائل التي أفنى فيها عمره الطويل ويبحث عن أخرى، وهذا تفسير سلوك كثير من الذين يتغيرون عن مبادئهم وعن أصولهم التي كانوا عليها عند انتقال الجاه من موضع إلى موضع آخر، ومن مكان إلى مكان، ومن مبدأ إلى مبدأ، والنفس لابد أن تجد مسوغا لتحولها ذلك، فربما وَصفت تحولها بالتجديد والمراجعة؛ وذلك أن التحولات في المبادئ ليست كالتحولات المادية؛ فإن التاجر الذي يبيع الذهب إذا لم يجد لتجارة الذهب سوقا فإنه ينتقل إلى بيع ما يحتاج إليه الناس، ولا يواري ولا يدلس في انتقاله ذلك؛ لأن غايته تتفق مع وسائله، وكلاهما ظاهر لنفسه وللناس، وأما طالب الجاه فلا تتفق غاياته مع وسائله؛ فوسائله معلنة وغاياته خفية لا يظهرها، بخلاف المادي؛ فهو واضح الوسائل وواضح الغايات. ص105.»
«الجاه مختلف الصورة في النفوس، وتختلف النفوس في طريقة التحايل على العقل والإيمان في الوصول إليه، وربما يستتر في الإنسان حتى يكون جاهه في تقديم اسمه على غيره الأَوْلَى بالتقديم عند الذكر، أو جلوسِه في صدر المجالس، أو عن يمين أو شمال أسياد الناس، أو بالمشي خلفه وتقبيل اليد والجبين، حتى يكون ترك ذلك عليه أثقل من فقد المال عند أهل المال؛ لأن الشهوات تختلف منازلها في النفوس؛ فنفوس تُقَبِّل الأيدي والرؤوس لتحصل على المال، ونفوس تتمنى لو دفعت المال لتُقَبَّل منها الأيدي والرؤوس. ص109-110.»
«من ابتلي بحب الجاه ابتلي بطبعين، وهذان الطبعان يَنْشآن على حب الجاه، ويَنْبُتان على أرضه: الأول: الحسد، والثاني: الكبر. والجاه والكبر والحسد؛ هذه الثلاثة أثافي الضلال والطغيان. ص110-111.»
«من وجوه موازنة العقل من سطوة النفس: إشباعها بما يملك الإنسان مما تشتهيه وأَنْسَتها شهوتُها العارضة ما عندها، فالنفس إذا اشتهت غير المملوك لها زهدت فيما عندها، وغيَّبت محاسنه، واستحضرت محاسن المملوك لغيرها حتى تقبل على غير ما عندها بشراهة، وتزهد فيما عندها كأن لم يكن عندها شيء، سواء كان شهوة ملبس أو مسكن أو مأكل أو مشرب أو زوجة، فإذا شَغلت النفسُ العقل بمحاسن محبوب لا تملكه فليَشغَلها بمحاسن محبوب مشابه تملكه حتى تتوازن النفس، وتصل إلى غايتها عن قناعة لا عن سطوة نفسية، ومن ذلك قول النبي : (إِذَا أَحَدُكُمْ أَعْجَبَتْهُ المَرْأَةُ، فَوَقَعَتْ فِيْ قَلْبِهِ، فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَلْيُوَاقِعْهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ) [مسلم]. ص126.»
«النفس تحب أن تكون مطمئنة وآمنة، فترجح غالبا تصديق الأخبار المطَمْئنة والمؤمِّنة لها؛ تريد السكون والاستقرار، فتترك الحذر والاحتياط حتى تتفاجأ بخلاف ما تحب، فينزل بها ما تكره، فيكون ضرره عليها أطول زمانا وأشد أثرا من ضرر عرض القلق والحذر الذي هربت منه بتصديق الأوهام، وهنا يظهر كمال العقل في موازنة الحقائق بحسَب أدلتها، لا بحسب ما تحب النفس وما تكره. ص138.»
«العاقل الكامل من عرف الحد الفاصل بين النفس والعقل، ومنع كل واحد منهما التعدي على الآخر، وينقص كمال عقل الإنسان بمقدار أخذ نفسه من حق عقله، وتضطرب نفسه بمقدار أخذ عقله من حق نفسه، وبين الحقين شيء ممتزج مشترك، وهو مصرع أهل الدقة من الأذكياء. ص154.»
«الأول: أن مساحة اختيار العقل أكبر، وتتجدد كل يوم وكل ساعة بحسب عمل الإنسان واشتغاله في الحياة، وأما النفس فمساحة اختيارها ضيقة، والغالب أنها ثابتة الاختيار، وتَجدُّد اختيارها واتساعُه بطيء، فتشتهي وترغب أشياء محدودة وإن تجدد حدوثها، لكنها لا تغيِّر النوع غالبا. الثاني: أن العقل ثابت والنفس مقدامة جامحة، فهي دائما تحب التعدي والانفلات والتجاوز لحدودها، بخلاف العقل؛ ولهذا يذكر الله العقل في القرآن فيمدحه، ويذكر النفس ويذمها، قال تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءِ [يوسف:53]؛ أمارة: مبالغة من فعَّالة؛ لأنها دائما تطلب المزيد على ما هو لها، فتؤثِّر في العقل حتى يعطيها ما تريد طلبا للسلامة منها؛ لكثرة إلحاحها وتجدُّد ضغطها عليه. ص155.»
«كثير من الناس عند اختيار الأفكار والقناعات أو الأعمال يخطئون في تقديم آلة الاختيار، فيقدِّمون النفس لتختار ما تحب وتشتهي، فإذا اختارت النفس وانتهت قدموا العقل ليفكر ويفحص الطرق التي توصل نفسه إلى ما تشتهي، ويتوهم الإنسان أنه استعمل عقله في المكان الصحيح، وربما أكثر التفكير والتأمل والفحص، ولكن هذا كله غير مُجْد؛ لأنه تفكير متأخر عن الاختيار. ص156.»
«أكثر زلات العقلاء ليس في صحة أفكارهم وآرائهم، وإنما في خطأ تطبيقها. ص158.»
«أكثر الذين يخطئون في تطبيق أفكارهم الصحيحة سببه أنهم اشتغلوا بصحة عقولهم عن سلامة نفوسهم؛ كمن يشتغل بصحة قدميه وحذائه عن سلامة طريقه فيعثر، وربما يهوي. ص159.»
«كل شهوة تقبل عليها النفس فيزيد إقبالها عن حَدِّه= يأخذ ذلك الإقبال من نصيب العقل وإنصافه. ص162.»
«صاحب العلم الذي لا يطيل التفكر في الأمور والتأمل فيها قليل الانتفاع من علمه لنفسه ولغيره، ويكون صاحب العلم القليل الذي يفكر في علمه أنفع من كثير العلم الذي لا يفكر. ص179.»
«إذا كان عقل الإنسان خاليا من العلم فإن تفكيره سيكون في نفسه الممتلئة بالطبائع والشهوات؛ ولهذا فإن أشد التفكير ضررا هو تفكير الجهال؛ لأنهم يتوهمون أنهم يفكرون فيما في العقول من معلومات، وليس فيها شيء من ذلك، وهم في الحقيقة يفكرون فيما في النفوس من طبائع وشهوات، وهذا النوع من الناس يحصل لديهم من الإتقان والحذق والدراية في الوصول إلى الشر وترتيبه وتنظيمه في صور وأشكال تحير عقول بعض الأذكياء في العلم، حتى لا يحسنَ بعض العلماء في تفكيره في الخير والصواب كما يفكرون هم في الشر. ص180.»
«التفكير في ذاته أداة لمعرفة صحة العلوم والمعارف، وتمييز صوابها من خطئها، ولكنْ هذا للنفس المتجردة التي لا تأخذ العلم مظنونا ثم تفكر فيه لكسب يقينه وتأكيده؛ ولهذا فإن التفكير الذي ينفع صاحبه في علمه هو الذي يسير مع العلم على ما تلقَّاه، ويعزل عنه رغبة النفس وميلها إلى جهة من جهاته؛ فإن النفس إن مالت أثَّرت في التقاط العقل للشواهد والبراهين التي تؤيد ميلها ورغبتها؛ لأن العقل آلة تمسك الحجج كالعين تمسك ما ترى، فإذا كانت النفس تبحث عن النملة في الأرض تتبعتها حتى ترى حركات ذرات التراب تحسبها نملا، ويمر أمام العين الإنسان والحيوان ولا تراه؛ لأن النفس مشغولة ميالة لشيء، فشغلت العين بما شغلها، وكذلك شَغْلُها للعقل ما لم يتجرد العقل منها، فإنه يتبعها في تتبع ما تهوَى وتريد؛ حتى يجتمع فيها من صغائر الأدلة وتراها كبارا، والظنون تجعلها أوهاما، والشبهات تجعلها بينات. ص185.»
«التفكير فيما في النفس كلما كان كثيرا كان ضرره على الإنسان أشد، والتفكير فيما في العقل كلما كان كثيرا كان نفعه عليه أكثر، وما يزال بين التفكيرين صراع ونزاع شديد، وإذا زاد واحد أخذ من الآخر. ص187.»
«النفس إذا مُكِّنت من التفكير في شيئين تشتهي بقوةٍ أحدَهما فإن طول التفكير لا يزيدها إلا ميلا إلى ترجيح ما تشتهي، والوليد بن المغيرة كانت نفسه ميالة إلى شهوة الجاه والأنفة وعدم التبعية، ولما سمع القرآن تفكر فيه وأطال، ولم يكن ذلك بعقل متجرد منه بلا سطوة النفس، فما زاده طول تأمله وفكره إلا عنادا، وخرج بنتيجة ظالمة لا تمحص رأيه، وإنما تحقق شهوته، ولذا قال الله عنه واصفا تفكيره الطويل: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ [المدثر: 18-22]، وكانت نتيجة طول تفكيره: ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر:23-24]، وحقيقة الأمر لا يحتاج إلى طول تفكير فيه لوضوحه، ولو استسلم وانقاد لإعجاز الوحي من أول الأمر ولم يمكن للنفس بطول التفكير أن تؤصِّل فيه ما تهوى حتى غلبته= لوصل إلى الصواب. ص190.»
«حق النفس في الاختيار فطري، ولو كانت النفس لا تحب فعل الشيء= إذا منعت منه أحبته وفعلته، ليس حبا في المفعول وإنما حبا في حقها في الاختيار، فلو أن نفسا تريد السفر بمركبة كسيارة أو فرس أو ناقة مدة خمس أو ست ساعات، وكانت لا تحب الوقوف في طريقها، ثم أتاها من يمنعها من النزول طيلة الطريق وأرغمها على ذلك= لكان النزول محبوبا لها في كل وقت، ولأحبت الوقوف عند كل معلم من معالم الطريق من الأشجار والوديان والسهول والجبال، ورأت كل ذلك حرمانا لها، وهي في الحقيقة تحب حقها في الاختيار، لا تحب النزول لذاته، وكذلك من يجلس في بيته أياما، أو لا يخرج من مدينته أو بلده ويبقى فيها أعواما، فإذا منع من الخروج منها لأحبت نفسه السفر والترحال، ولقامت بالتفكر في كل ما يدعوها لذلك من تذكر المصالح في البلدان الأخرى، وصلة الأقارب والأرحام، ولأحبت الزيارة والتجارة والسياحة؛ لأن النفس مطبوعة على أخذ حقها في الاختيار، وربما لو أنها منعت من الخروج من البلد ثم أذن لها بذلك لزهدت في كل تلك المحبوبات؛ لأنها في الحقيقة لا تبحث عنها بذاتها، وإنما تبحث عن حقها في الاختيار، فإذا تحقق لها ذلك تساقطت جميه تلك الرغبات؛ لأنها وسائل لتحقيق الغاية، فتحققت تلك الغاية فلا حاجة للوسيلة. ص193-194. تمت بحمد الله»
فيديوهات عن الكتاب
