صفحة قارئ

د. عبد الله الدعجاني

مساحة عامة منظّمة تعرض مساهمات القارئ المنشورة فقط: مراجعات، اقتباسات، وكتب ومؤلفون اعتمدهم فريق قبس.

عضو منذ مايو 2026

د. عبد الله الدعجاني

مساهمات منشورة ومعتمدة فقط

إضافات اعتمدها قبس

الكتب والمؤلفون الذين اقترحهم القارئ وظهرت بعد المراجعة.

لا توجد كتب أو مؤلفون معتمدون لهذا القارئ بعد.

أحدث المراجعات

آراء منشورة على كتب من الكتالوج.

  •                 بسم الله الرحمن الرحيم

                                على ضفاف (تأمل تدرك)

                               حيث تتصافح القراءة والحياة

      القراءةُ حياةٌ نأخذها من أعمار الآخرين، والتجربةُ حياةٌ نقتطعها من أعمارنا؛ فإذا اجتمع للمرء ما عاشه وما وعاه، وما رآه وما قرأه، نضجت في روحه ثمرةٌ لا اسم لها أجمل من (الحكمة)، فحين تمتد يدُ القراءة من عالم المعاني، وتمتد يدُ التجربة من عالم الوقائع، وتلتقيان في روح الإنسان، تنضج فيه ثمرة الحكمة، ويغدو للحياة عمقٌ وراء عمق، ومعنى وراء معنى.

     

      ولعل هذا التزاوج بين القراءة والتجربة هو السر الكامن وراء ما يفيض به كتاب (تأمل تدرك) من حياةٍ وصدقٍ وجاذبية وألق؛ فهو مساحةٌ تتعانق فيها الفكرة والواقعة، ويتجاور فيها التأمل والإدراك،حين سُئل زوربا ــ ذلك العاشق الجامح للحياة ــ: "لِمَ لا تكتب كتاباً تودع فيه أسرار العالم وألغاز الوجود؟" أجاب ساخرًا: "إن الذين يعيشون ألغاز الحياة حقًّا لا يجدون وقتاً للكتابة عنها"، وكأن الرجل كان يرى أن الحياة والكتابة ضرتان لا تجتمعان؛ فمن استغرقته إحداهما حُرم الأخرى.

     

      غير أن الأستاذ (طلال الجابري) يبدو استثناءً جميلاً على هذه القاعدة؛ فقد استطاع أن يعقد بينهما صلحاً نادراً، فلا الحياة صرفته عن التأمل، ولا التأمل حجبه عن الحياة، وكأن الزمن قد لان له حتى اقتطع منه ساعات للقراءة والتفكر، وساعات للمخالطة والتجربة، ثم عاد فصبَّ حصيلة ذلك كله في قوالب من البيان الهادئ والتأمل الناضج.

     

      لم تكن ثنائية (القراءة والتجربة)، أو (التأمل والإدراك)، صنعة قلمٍ يتكلَّفها المؤلف في صفحات كتابه، بل كانت له صورة حياته، قبل أن تكون صورة كتابه، فهو قارئٌ نَهِمٌ، يُقيم بين الكتب إقامةَ الناسك في محرابه، ويتردَّد بين رفوفها تردُّد العائد إلى أهله وموطنه، وفي الوقت نفسه هو شيخ مجتمعٍ وشأن، يخوض في قضايا قبيلته، إصلاحاً بين متخاصمين، ومواساةً لمحتاج، ورأياً في نازلة، وحكماً في خصومة، حتى خبر من طبائع الناس وتقلُّبات الأيام ما لا تهبه الكتب وحدها، فكان إذا دخل مكتبته ظننته منقطعاً عن الناس، وإذا دخل مجالس الناس ظننته منقطعاً عن الكتب، وما كان منقطعاً عن واحدة منهما، بل كان يحمل كلَّ عالمٍ إلى الآخر.

     

      وهكذا تصافحت في شخصه عزلة القارئ ومخالطة المجرب، واجتمع له نور الكتاب ودفء الحياة وصخبها، فغدا من أولئك النادرين الذين لا يكتفون بقراءة الحياة في الكتب، ولا بقراءة الكتب في الحياة، بل يقرؤون كليهما معاً، ثم يردّون إلينا خلاصتهما معرفةً صافية وتجربةً مهذبة، وهكذا صنيعه في كتابٍ أشبه ما يكون بروض مترامي الأطراف، تفتحت فيه أزهارٌ شتى: (جوريٌّ) يعبق بالمعرفة، و(شقائقُ)تلوح بألوان التجربة، و(أقحوانٌ) يشرق بحكمة الأيام، و(خزامى) يفوح بشذى الذكريات، هنا فائدةٌ علمية توقظ العقل، وهناك لمحةٌ نفسية تستنطق أغوار الروح، وفي موضعٍ ثالث إشارةٌ اجتماعية تكشف أسرار الناس والعمران، ثم تنبثق من بين الصفحات وقفاتٌ تاريخية ورياضية وأدبية وفكرية، كأنها ألوان شتى اجتمعت في باقة واحدة، وإن اختلفت روائحها وأشكالها.

      ولعل سرَّ هذا الشذى الساري في أرجاء الكتاب أن أزهاره، على تباعد منابتها واختلاف ألوانها، قد أفضت جميعاً إلى رحيقٍ واحد؛ رحيقٍ استخلصه المؤلف من أسفار القراءة، وخلوات الفكر، ومخزون الذاكرة، ثم أودعه هذه الصفحات صافياً رقراقاً، يختلف مذاقه من صفحة إلى أخرى، غير أن مصدر عذوبته يظل واحداً: "رحيق القراءة والفكر والذاكرة".

     

      شعرتُ وأنا أتصفح صفحاته أنني لا أقرأ كتاباً بقدر ما أرافق سيرة عقلٍ في رحلته الطويلة بين الرفوف والوجوه، بين المكتبات والمجالس، بين الغوص في أعماق الفكرة، والخوض في مجاري الحياة، بين محاورة المعاني في خلواتها، ومزاحمة الأيام في ساحاتها، لستُ أرى هذا الكتاب مجرد مجموعة من الخواطر المتفرقة، بل أراه سيرة مستترة؛ في كل صفحة يطل عليك المؤلف بعقله وقلبه وذاكرته وتجربته،وما الكتب العظيمة في حقيقتها إلا مرايا لأرواح أصحابها، وهذا الكتاب واحد من تلك الكتب التي لا تنقل المعرفة فحسب، بل تنقل الإنسان نفسه.

     

      ولعل هذا هو أجمل ما في الكتاب؛ أنك إذا فرغت من قراءته لم تشعر أنك ودعت صفحاتٍ وأفكاراً، بل ودعت صاحباً صحبك زمناً، وأطلعك على بعض ما اختزنته الأيام في قلبه، وما اختزنته الكتب في عقله،وتلك منزلة لا يبلغها كل كتاب، وإنما يبلغها الكتاب الذي يمتزج فيه مداد القلم بعصارة العمر.

     

                                                             وكتب/

                                                     عبد الله بن نافع الدعجاني

                                                        25/ 12/ 1447ه

                                                        11/ 6/ 2026م

     

أحدث الاقتباسات

اقتباسات معتمدة أضافها القارئ.

لا توجد اقتباسات منشورة لهذا القارئ بعد.