محمد بن علي الشوكاني
(1173هـ / 1759م — 1250هـ / 1834م)
ترجمة مختصرة:
الشوكاني: محمد بن علي بن محمد الشوكاني. ولد سنة 1173هـ. تصدى للإفتاء وهو في سن العشرين، وترك التقليد واجتهد اجتهادا مطلقا، وكان منجمعا عن بني الدنيا، ولي القضاء إلى أنْ مات. مِن مصنفاته: نيل الأوطار، وفتح القدير في التفسير، البدر الطالع، وإرشاد الفحول. توفي سنة 1250هـ. البدر الطالع (2/214)، الفتح الرباني مِن فتاوى الشوكاني (1/23).
نسبه ومولده
هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، وُلد عام 1173هـ / 1759م في هجرة شوكان إحدى قرى خولان بالقرب من صنعاء في اليمن، ونسبته إليها. نشأ في أسرة علمية فأبوه كان من العلماء، وانتقلت الأسرة إلى صنعاء وهو طفل صغير، فنشأ في رحابها وتشرّب علومها.
نشأته وتكوينه العلمي
أظهر الشوكاني منذ حداثته نبوغاً علمياً استثنائياً ونهماً في الطلب لا يُعرف له نظير؛ فحفظ القرآن الكريم صغيراً، وأخذ في التحصيل بشغف لا يهدأ، فتتلمذ على كبار علماء صنعاء في الفقه الزيدي الذي كان مذهب اليمن السائد، وفي التفسير والحديث والأصول والعربية والمنطق. وقد بلغ من سرعة التحصيل وقوة الحفظ أن أذهل مشايخه، وكان يقرأ في اليوم الواحد ما يعجز عنه غيره في أسابيع.
ثم كانت المفترق الكبرى في مسيرته حين انصرف بعمق إلى دراسة الحديث النبوي وعلومه، فأدركته ثورة علمية داخلية جعلته يُراجع كثيراً مما تلقّاه من فقه مذهبي مُقلَّد، وانتهى إلى الدعوة إلى الاجتهاد المطلق ورفض التقليد الأعمى لأي مذهب، مُقرِّراً أن الدليل من الكتاب والسنة هو الحَكَم الفصل في كل مسألة.
مناصبه
تقلّد الشوكاني مناصب علمية وقضائية رفيعة في الدولة القاسمية اليمنية؛ إذ عُيِّن قاضي القضاة في صنعاء عام 1209هـ وهو في الستة والثلاثين من عمره، واستمر في هذا المنصب الرفيع قرابة أربعة عقود حتى وفاته، يُدرِّس ويُفتي ويُقضي ويُؤلف في وقت واحد. وقد عاصر في هذا المنصب ثمانية من الأئمة الزيديين تعاقبوا على الحكم، وكان مكانته العلمية تسمو على السياسة وتعلو عليها.
منهجه الفكري
يقوم فكر الشوكاني على ركيزة واحدة جوهرية هي الدعوة إلى الاجتهاد ونبذ التقليد، وقد آمن بها إيماناً راسخاً لم يتزعزع طوال حياته ودافع عنها بكل ما أوتي من علم وقلم. ومن أبرز معالم منهجه:
تقديم الدليل على المذهب، إذ كان يرى أن الانتماء المذهبي حين يُحجب الدليل ويقف دونه يصبح عائقاً لا معيناً، وأن العالم الحق هو من يتبع الدليل أينما سار لا من يبحث عن الدليل ليُؤيّد به ما قرّره إمامه.
تعظيم السنة النبوية والعناية البالغة بعلوم الحديث رواية ودراية، وقد كان يرى أن إحياء الحديث هو الطريق الملكي لإصلاح الفقه الإسلامي.
الجمع بين العلوم الشرعية والعقلية، فهو لم يكن يرفض علم الكلام والمنطق رفضاً مطلقاً، بل كان يُوظّفهما في خدمة البحث الشرعي.
الانفتاح على مختلف المذاهب والاستفادة من فقه الشافعية والحنابلة والمالكية والحنفية والظاهرية في استدلاله وترجيحاته، دون أن يتعصب لواحد منها.
أبرز مؤلفاته
نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار — وهو أعظم مؤلفاته وأجلّها وأكثرها انتشاراً وتأثيراً، وهو شرح موسّع على كتاب "منتقى الأخبار" لابن تيمية الجدّ. يجمع الكتاب بين الحديث والفقه المقارن جمعاً نادراً، إذ يسوق الأحاديث مع بيان درجاتها ثم يستعرض أقوال الفقهاء في كل مسألة ويُناقشها بالدليل ويُرجّح بينها بعقل مستقل. ويُعدّ هذا الكتاب من أهم مراجع الفقه الحديثي المقارن في التراث الإسلامي، ولا يزال من أكثر الكتب تداولاً في أوساط طلاب العلم الشرعي حتى اليوم.
فتح القدير الجامع بين فنَّي الرواية والدراية من علم التفسير — تفسيره الكبير للقرآن الكريم الذي يجمع بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي المحمود، ويُعنى عناية خاصة بالجانب اللغوي والفقهي والحديثي. ويُعدّ من أمتع التفاسير التي تُريح القارئ باستيعابها وتُمتعه بعرضها.
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — في علم أصول الفقه، ويُعدّ من أجمع الكتب وأنضجها في هذا الباب، يعرض فيه مسائل الأصول عرضاً تحليلياً يُقارن بين آراء الأصوليين ويُرجّح بينها بمنهج علمي رصين.
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع — موسوعة تراجمية يترجم فيها لكبار العلماء من القرن الثامن الهجري حتى عصره، وهي مصدر لا غنى عنه في تراجم علماء اليمن والعالم الإسلامي في هذه الحقبة.
الدراري المضية شرح الدرر البهية — في الفقه المقارن.
الوبل الغمام على شفاء الأوام — في الردّ على من يُبيح التقليد.
القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد — في تقرير مذهبه في الاجتهاد ونقض التقليد.
أدب الطلب ومنتهى الأرب — في آداب طلب العلم ومنهج التحصيل، وهو كتاب تربوي نفيس.
فضلاً عن مئات الرسائل والفتاوى التي تشهد على سعة علمه وتنوع اهتماماته، وتُقدَّر مجموع مؤلفاته بما يزيد على مئة وأربعة عشر مؤلَّفاً.
مكانته في الإصلاح الفقهي
يقف الشوكاني في صدارة حركة الإصلاح الفقهي الإسلامي في القرن الثالث عشر الهجري، إذ جمع بين شيئين نادراً ما يجتمعان: سعة العلم بالتراث الفقهي المذهبي من جهة، والجرأة على مخالفته حين يُخالف الدليل من جهة أخرى. وكان يُدرك أن الإصلاح الفقهي الحقيقي لا يكون بهجر التراث بل باستيعابه والبناء عليه ثم تجاوزه بالدليل.
وقد كان له تأثير واسع في حركات الإصلاح الإسلامي التي جاءت بعده؛ فأفكاره في نبذ التقليد والدعوة إلى الاجتهاد وتعظيم السنة أثّرت في علماء القرن الرابع عشر الهجري في اليمن ومصر والهند وغيرها، ويُعدّ من أبرز العلماء الذين مهّدوا لنهضة الدراسات الحديثية الحديثة في العالم الإسلامي.
وفاته وأثره
توفّي الشوكاني عام 1250هـ / 1834م في صنعاء بعد حياة حافلة بالعلم والعطاء، تاركاً إرثاً ضخماً لا يزال حياً متداولاً؛ فكتبه تُدرَّس في المعاهد الشرعية وتُحقَّق وتُطبع من جديد جيلاً بعد جيل، وآراؤه تُستشهد بها في الفتاوى والبحوث الفقهية المعاصرة، شاهداً على أن العلم الحق لا يموت بموت صاحبه بل يحيا فيمن يُفيد منه ويحمله إلى الأجيال التالية.

