صفحة مؤلف

نزار قباني (1923م - 1998م)

نزار قباني (1923م - 1998م)

نزار قباني (1923م - 1998م)

نزار قباني

(1342هـ / 1923م — 1418هـ / 1998م)

نسبه ومولده

هو نزار بن توفيق قباني، وُلد في دمشق عام 1342هـ / 1923م في أسرة عربية عريقة من أسر دمشق العتيقة، فجدّه أبو خليل القباني كان من رواد المسرح العربي الحديث، وأبوه توفيق كان رجلاً وطنياً أسهم في حركة المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي. نشأ نزار في بيت دمشقي قديم وسط أزقة الشام العتيقة وياسمينها وحدائقها، وقد نقش هذا الفضاء الدمشقي نفسه في أعماقه نقشاً لم يمحه الزمن ولا الغربة، فظلّ دمشق تسكنه حتى آخر قصيدة.

نشأته وتكوينه

حين لم يبلغ نزار السادسة عشرة من عمره أقدمت أخته وصال على الانتحار هرباً من زواج فُرض عليها لا تريده، وكان لهذه الصدمة المبكرة أثر عميق في تشكيل وجدانه الشعري؛ إذ أيقظت فيه ثورةً مبكرة على قيود المجتمع الذكوري وانحيازاً أصيلاً للمرأة وحريتها ظلّ يتجدد في شعره على مدى ستة عقود. ثم التحق بكلية الحقوق في الجامعة السورية وتخرّج منها عام 1945م، وفي السنة ذاتها أصدر ديوانه الأول "قالت لي السمراء" الذي أثار عاصفةً من النقاش والجدل.

مسيرته الدبلوماسية والأدبية

عمل نزار قباني في السلك الدبلوماسي السوري سنواتٍ طويلة، وتنقّل في مهام دبلوماسية بين لندن وبكين ومدريد والقاهرة وبيروت، وقد أضافت هذه الرحلات إلى وجدانه أبعاداً إنسانية وحضاريةً جديدة. وفي عام 1966م قرّر الاستقالة من الدبلوماسية وتفرّغ للشعر والأدب، وأسّس في بيروت دار نشر نزار قباني التي أصدر من خلالها دواوينه بنفسه مستقلاً عن دور النشر التقليدية، وكان ذلك قراراً جريئاً يُجسّد روحه المستقلة الأبيّة.

شعره في المرأة والحب

ارتبط اسم نزار قباني في وعي الجمهور العربي الواسع بشاعر الحب والمرأة، وهو ارتباط صحيح لكنه ناقص؛ فنزار لم يكن شاعر الغزل السطحي الذي يتغنى بجماليات المرأة الجسدية فحسب، بل كان يرى في المرأة قضيةً حضارية وعنوان تحضّر الأمم أو تخلّفها. وقد آمن إيماناً راسخاً أن لا نهضة لأمة تقمع نساءها، وأن المرأة المقهورة لا تُنتج إلا مجتمعاً مُعطَّل النصف.

وشعره في الحب على اتساعه وتنوعه يقوم على محورين اثنين لا ينفصلان: الجمال بكل تجلياته الحسية والروحية، والحرية بكل أبعادها الإنسانية والاجتماعية. وهو يكتب عن المرأة بلغة تُكرّمها ولا تُهينها، تُحرّرها ولا تُسلّعها، وهذا ما يُميّزه عن كثير من شعراء الغزل الذين جاؤوا من قبله ومن بعده.

ثلاث نساء في حياته وشعره

كانت حياة نزار العاطفية مرتبطة بثلاث نساء تركت كل منهن أثراً عميقاً في شعره وروحه:

زوجته الأولى زهراء التي أحبها وتزوجها وأنجب منها ثم افترقا. زوجته الثانية بلقيس الراوي العراقية التي أحبها حباً جنونياً عميقاً وكانت الحب الأكبر في حياته، فاغتالتها رسالة متفجرة استهدفت السفارة العراقية في بيروت عام 1981م، فكتب فيها نزار قصيدة "بلقيس" التي تُعدّ من أكثر قصائده توجّعاً وعمقاً وصدقاً، وظل يحمل حزنها حتى آخر يوم في حياته. وزوجته الثالثة دنيا التي أمضى معها سنواته الأخيرة في لندن.

تحوله السياسي

أحدثت هزيمة يونيو 1967م انعطافةً حادة في مسيرة نزار قباني الشعرية؛ فالشاعر الذي عُرف بالغزل والحب والمرأة فاجأ الجمهور بقصيدة "هوامش على دفتر النكسة" التي صعقت العالم العربي بجرأتها وصراحتها المرة التي لا تُهادن. انتقد فيها الأنظمة العربية والهزيمة الحضارية والشعارات الفارغة بلغة جديدة حادة كالسيف، فاحتُجزت القصيدة في كثير من البلدان العربية ومُنع نشرها، وتحوّل نزار من بعدها إلى أحد أشد الأصوات الشعرية الغاضبة في مواجهة الاستبداد والهزيمة والخواء.

ومنذ تلك اللحظة جمع نزار في شعره بين الحب والسياسة جمعاً لا انفصام فيه، رأى فيهما وجهَي قضية واحدة هي قضية الحرية؛ فالمرأة المقهورة في البيت والشعب المقهور في الوطن ضحيتا ظلم واحد باسمين مختلفين.

أبرز دواوينه

قالت لي السمراء (1944م) — ديوانه الأول الذي أثار عاصفة الجدل الأولى وأعلن مولد صوت شعري مختلف.

طفولة نهد — الذي زاد في إثارة الجدل حول شعره الجريء.

أنت لي وقصائد والرسم بالكلمات — دواوين توطّد فيها أسلوبه الخاص.

هوامش على دفتر النكسة — القصيدة التي فتحت عهداً جديداً في شعره السياسي.

يوميات امرأة لا مبالية — نموذج رفيع في صوت المرأة الذي أجاد نزار تمثّله.

بلقيس — مرثيته الكبرى لزوجته التي اغتيلت.

متى يعلنون وفاة العرب — في شعره السياسي المتأخر الذي بلغ فيه حدّاً من القسوة على الذات العربية لم يبلغه شاعر قبله.

أنا رجل واحد وأنتِ قبيلة من النساء — من دواوينه الأخيرة التي جمع فيها خلاصة تجربته.

لغته الشعرية

تكمن عبقرية نزار قباني الأساسية في اختراعه لغة شعرية لم تكن موجودة قبله؛ فهو لم يرث أسلوبه من أحد ولم يكن امتداداً لتقليد سابق، بل خلق لنفسه لغةً هجينة بديعة تقف في المنطقة الوسطى بين الفصحى والعامية دون أن تنتمي إلى أي منهما بالكامل. لغة يفهمها الأمي ويُقدّرها الأكاديمي، تُقرأ بالعقل وتُحسّ بالقلب في الوقت ذاته.

وقد ثار عليه كثير من النقاد الكلاسيكيين بسبب هذه اللغة ورأوا فيها تدنيساً لمعبد الشعر الفصيح، لكن الجمهور العربي الواسع أجاب عنه إجابةً لا تحتمل الجدل بأن احتضنه احتضاناً لم يحظَ به شاعر عربي في القرن العشرين.

تأثيره في الوجدان العربي

لا يُقاس تأثير نزار قباني في الوجدان العربي بعدد القرّاء وحده، بل بشيء أعمق هو أنه غيّر طريقة العرب في الكلام عن الحب؛ فقبله كان الحب في الأدب العربي يتحدث بلغة المديح والوصف والتمنّي، وبعده أصبح يتحدث بلغة الحوار والاعتراف والمواجهة. وقد حرّر نزار أجيالاً من الشباب العربي من خجل الكلام عن الحب وأعطاهم لغةً يُعبّرون بها عن أعمق مشاعرهم.

وقد غنّت قصائده كبريات المطربات العربيات من أم كلثوم إلى فيروز إلى ماجدة الرومي وغيرهن، مما وسّع دائرة تأثيره لتشمل من لا يقرأ الشعر لكنه يستمع إلى الغناء.

موقفه من النقد والجدل

لم يكن نزار قباني شاعراً يحتمي خلف الغموض أو يتهرب من الجدل؛ بل كان يستقبل النقد بصدر مفتوح ويُجيب عنه بصراحة لا تعرف المجاملة. وكان يرى أن الشاعر الذي لا يُثير الجدل شاعر لا يقول شيئاً يستحق الجدل. وقد خاض معارك ضارية مع المؤسسات الدينية والسياسية والأدبية المحافظة، وخرج من معظمها وقد ازداد شعبيةً وانتشاراً.

سنواته الأخيرة ووفاته

بعد اغتيال بلقيس وتصاعد الحروب والمآسي في الوطن العربي، أمضى نزار قبانى سنواته الأخيرة في لندن حيث استقر مع زوجته الثالثة دنيا. وقد ظل حتى آخر أيامه يكتب الشعر ويُعلّق على الأحداث العربية بذلك الصوت الغاضب الموجع الذي لا يُهادن. وتوفّي في لندن عام 1418هـ / 1998م إثر نوبة قلبية، وأوصى بأن يُدفن في دمشق حيث بدأ كل شيء وحيث ظل قلبه طوال حياته، فنُقل جثمانه إلى دمشق وشيّعه فيها حشد كبير في وداع يليق بمن أحبّ هذه المدينة بكل ما أوتي من قدرة على الحب.

يبقى نزار قباني ظاهرة شعرية لا تتكرر في تاريخ الأدب العربي الحديث؛ فهو لم يكن مجرد شاعر يكتب قصائد بل كان حدثاً ثقافياً بكامله، غيّر علاقة العرب باللغة وبالحب وبالجمال وبالسياسة في آنٍ واحد. وسيظل اسمه مقروناً بكل من أحبّ في هذه الأمة وكابد وبحث في الكلمة عمّا لا تستطيع الحياة العادية أن تمنحه.

0 كتاب0 متابع

اقتباسات

أبرز مقتطفات من كلام نزار قباني (1923م - 1998م)

بنفس أسلوب بطاقات «اقتباسات ملهمة»: مقتطفات معتمدة من الكتب، مرتبة بحسب تفاعل القرّاء.

جميع الاقتباسات
نزار قباني (1923م - 1998م)الجمال

نزار قباني (1923م - 1998م)

الجمالالمرأةالحب
قبس

كتب المؤلف