مجموع الفتاوى
شيخ الإسلام ابن تيمية (661هـ / 1263م — 728هـ / 1328م)
التعريف بالكتاب
"مجموع الفتاوى" موسوعة علمية شرعية كبرى، تضمّ تراث شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية من فتاوى ورسائل ومسائل وردود في شتى العلوم الشرعية. والكتاب لم يُصنّفه ابن تيمية بنفسه مجموعاً في مؤلَّف واحد، بل هو ثمرة جهد جبّار قام به العلامة علي بن محمد بن عباس البعلي (ت 803هـ) الذي جمع مؤلفات ابن تيمية المتفرقة وفتاواه المتناثرة ورتّبها وبوّبها، ثم أكمل هذا الجمع وبسطه في صورته النهائية الضخمة العلامة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (ت 1392هـ) الذي أفنى في تحقيقه وترتيبه سنوات طويلة، فصدر في سبعة وثلاثين مجلداً ضخماً تمثّل أشمل تجميع لتراث ابن تيمية العلمي.
طبيعة الكتاب وتكوينه
يختلف "مجموع الفتاوى" في طبيعته عن سائر الكتب الكلاسيكية التي يُصنّفها مؤلف واحد في موضوع محدد وفق خطة مرسومة؛ فهو في حقيقته أرشيف علمي لعقل موسوعي نادر، يضمّ فتاوى مُرتجَلة ورسائل مكتوبة ومسائل أُجيب عنها في مجالس العلم ومناظرات دُوِّنت وردود مُطوَّلة على خصوم. وهذا التنوع في مصادر المادة يجعل الكتاب أشبه بحضور ابن تيمية حيّاً يُجيب ويناظر ويُعلّم، لا مجرد كتاب يُقرأ.
وقد رتّب ابن قاسم المادةَ الضخمة ترتيباً موضوعياً يسير فيه من العقيدة إلى الفقه إلى التفسير إلى السلوك، وإن كانت طبيعة الجمع تجعل بعض الموضوعات تتكرر من زوايا مختلفة في أجزاء متعددة.
محتوياته وأقسامه الكبرى
العقيدة والكلام — تحتل العقيدة الحيّز الأكبر من المجموع، وتشمل مسائل الأسماء والصفات والردّ على من تأوّلها من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية، والبحث في قضايا الإيمان والكفر والنبوة والمعاد. وفي هذا القسم تبرز رسائل ابن تيمية الكبرى في العقيدة كالرسالة التدمرية والواسطية والحموية التي تُعدّ من أجمع ما كُتب في عقيدة السلف وأحكمه تقريراً وأسلمه دليلاً.
الفقه وفروعه — يستعرض المجموع فقه ابن تيمية في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والحدود والجهاد وسائر أبواب الفقه، ويكشف عن منهجه الفقهي الاجتهادي الذي لا يتقيّد بالمذهب الحنبلي حين يجد الدليل في غيره، ويُخالف الجمهور في مسائل عديدة مشهورة كمسألة طلاق الثلاث بلفظ واحد، ومسألة السفر لزيارة القبور، وغيرها مما أثار في عصره جدلاً واسعاً.
التفسير وعلوم القرآن — يضمّ المجموع طائفة من تفسيرات ابن تيمية لسور وآيات قرآنية يكشف فيها عن منهجه التفسيري الذي يُقدّم تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بأقوال الصحابة والتابعين، ويرفض التفسير الكلامي الذي يُسخّر النص لخدمة المذهب المسبق.
الحديث وعلومه — يُعالج ابن تيمية في مواضع متعددة من المجموع مسائل في مصطلح الحديث وعلل الأسانيد وأحكام بعض الروايات، ويكشف عن تمكّن عميق من هذا العلم الدقيق.
الردود على المخالفين — يحتل هذا القسم حيزاً بارزاً من المجموع، ويشمل ردود ابن تيمية على المتكلمين والفلاسفة والمتصوفة الغلاة والشيعة والجهمية والمعتزلة، وهي ردود تكشف عن إلمام ابن تيمية بآراء خصومه إلماماً ربما فاق إلمامهم بأنفسهم.
السلوك والتصوف — يضمّ المجموع كتابات ابن تيمية في التزكية والسلوك وتهذيب النفس وآداب الطريق، وهي كتابات تكشف عن جانب من شخصيته كثيراً ما يغيب عن المشتغلين بصورته الجدالية النقدية.
السياسة الشرعية والفقه السياسي — تشتمل مواضع من المجموع على رؤية ابن تيمية في الحكم والسلطة والعلاقة بين العلماء وولاة الأمر وواجبات الحاكم والمحكوم.
قيمته العلمية ومكانته
تنبثق القيمة العلمية لـ"مجموع الفتاوى" من كونه يُقدّم عقلاً إسلامياً موسوعياً في أكمل صورة وأشمل عرض؛ فمن أراد أن يعرف ابن تيمية معرفة حقيقية عميقة لم تُشوّهها الانتقائية في الأخذ أو التشويه في العرض فعليه بهذا المجموع الضخم الذي يُقدّمه في كل أحواله: مُقرِّراً ومناظراً وفقيهاً ومُفسِّراً ومُربّياً وسياسياً وناقداً. كما أن المجموع لا يزال مرجعاً حيّاً تُستقى منه الفتاوى وتُستمدّ منه الحجج في النقاشات الفقهية والعقدية المعاصرة، مما يجعله من النوادر في التراث الإسلامي التي لم يطلها الإهمال ولم تُحجبها قرون الفصل بين مؤلفها وعصرنا.
أثره في العلماء والحركات الإسلامية
لم يكن أثر "مجموع الفتاوى" محصوراً في طبقة العلماء المتخصصين، بل امتد ليشمل الحركات الإصلاحية الإسلامية الكبرى التي ظهرت من القرن الثاني عشر الهجري حتى اليوم. فحين قرأ محمد بن عبد الوهاب كتب ابن تيمية وتشرّب روحها، أسّس على أصولها دعوته الإصلاحية في نجد التي غيّرت مسار التاريخ الإسلامي. وحين جاء محمد رشيد رضا في مصر يحمل راية الإصلاح الفقهي عبر مجلة المنار، كان ابن تيمية من أبرز مرجعياته الفكرية التي يستند إليها. وكذلك محمد الشوكاني في اليمن وصديق حسن خان في الهند والألباني في الحديث وغيرهم ممن شكّل ابن تيمية رافداً جوهرياً في تكوينهم العلمي.
وعلى صعيد العلماء المتخصصين، لا يكاد عالم بعد ابن تيمية يشتغل بالعقيدة أو الفقه المقارن أو أصول الفقه دون أن يكون المجموع حاضراً في مكتبته ومرجعاً في بحثه، سواء أكان موافقاً لابن تيمية أم مخالفاً، فالمخالف قبل الموافق لا يستطيع تجاهله.
تحقيقه وطبعاته
مرّ "مجموع الفتاوى" بمراحل نشر متعددة قبل أن يستقر على صورته الكاملة التي نعرفها اليوم؛ فقد طُبعت أجزاء منه مبعثرة في طبعات متفرقة في القرن الثالث عشر الهجري، إلى أن جاء العلامة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي وأفنى في جمعه وترتيبه وتحقيقه سنوات من عمره، فصدرت الطبعة الأولى الكاملة في سبعة وثلاثين مجلداً بمطابع مكة المكرمة في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري. ثم أعادت مجمّع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة طباعته طباعةً محققة منقّحة في ثمانية وثلاثين مجلداً أُضيف إليها مجلد للفهارس، وهي الطبعة التي غدت المرجع الأساسي لكل من يعمل به اليوم.
يبقى "مجموع الفتاوى" في نهاية المطاف شاهداً على ظاهرة نادرة في تاريخ الفكر الإسلامي؛ فليس كثيراً أن يُخلّف عالم واحد إرثاً يملأ سبعة وثلاثين مجلداً ضخماً تتشابك فيها علوم الشريعة على اتساعها، وتنبض فيها روح واحدة متماسكة لا تتناقض ولا تتفكك على كثرة موضوعاتها وتنوع مسائلها وتباين المناسبات التي كُتبت فيها. وفي هذه الوحدة الداخلية الرائعة لموسوعة صنعها الزمن لا التخطيط المسبق تكمن إحدى أعجب آيات هذا الرجل الذي جمع ما لم يجمعه إلا القليلون.



