صفحة كتاب

المدهش

غلاف المدهش
ابن الجوزي
00 تقييم0 مراجعة

المدهش

ابن الجوزي (510هـ / 1116م — 597هـ / 1200م)

التعريف بالكتاب ومؤلفه

"المدهش" كتاب من أجمل ما صنّفه الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الحنبلي البغدادي، وهو من ذلك النوع النادر من الكتب التي تجمع بين العلم والأدب والوعظ في قالب أدبي رفيع لا يُشبه سواه. وابن الجوزي عالم موسوعي ضخم الإنتاج بلغت مؤلفاته ما يزيد على ثلاثمئة مصنف في الفقه والحديث والتفسير والتاريخ والوعظ والأدب، وكان واعظاً فذاً يجلس إلى مجالسه الآلاف من الناس في بغداد. و"المدهش" يُمثّل وجهاً من وجوه عبقريته الأدبية التي كثيراً ما تُحجبها صورته العلمية الفقهية.

موضوعه وطبيعته

اسم الكتاب يُصف مضمونه أصدق وصف؛ فهو كتاب يُدهش حقاً، وذلك بجمعه بين أشياء لا تكاد تتجمع في مصنَّف واحد: الأدب الرفيع والحكمة العميقة والموعظة المؤثرة والقصص النادرة والنكتة الذكية والتأمل الفلسفي، كل ذلك في أسلوب أدبي من أجمل ما كتبه ابن الجوزي وأكثره عفويةً وحيويةً. وقد سمّاه "المدهش" لأنه جمع فيه ما يُدهش العقل ويُحرّك القلب ويُهزّ المشاعر في آنٍ واحد.

وهو ليس كتاباً في موضوع واحد محدد بل هو مجموعة فوائد ومقاطع أدبية ومقاطع وعظية ونصوص شعرية وحكايات نادرة يجمعها روح ابن الجوزي الموّاجة وشخصيته الأدبية الحيّة. والكتاب في هذا يُشبه "بدائع الفوائد" لابن القيم من حيث تنوعه وعدم انحصاره في تخصص واحد، غير أنه يُميل أكثر نحو الأدب والوعظ والتأثير الوجداني.

أبرز محاوره وموضوعاته

التأملات في الكون والخلق — يفتتح ابن الجوزي كثيراً من مقاطع كتابه بتأملات في بديع الخلق وعجائب الكون وما ينطوي عليه من دلائل على عظمة الخالق، يُقدّمها بأسلوب يجمع بين دقة المتكلم وشاعرية الأديب. وهو في هذه التأملات لا يسرد معلومات بل يُدهش ويُثير الدهشة في القارئ حتى يجعله يقف أمام ما كان يمرّ به دون توقف.

الحكم والأمثال — يزخر الكتاب بطائفة غنية من الحكم والأمثال والأقوال المأثورة التي يجمعها ابن الجوزي من التراث العربي والإسلامي وأحياناً من الحكمة الإنسانية الأشمل، مُعلِّقاً عليها بتعليقات تكشف عن عمق فهمه وسعة أفقه.

المواعظ والتذكير — لا يُفارق ابن الجوزي الواعظَ الكبير حتى في كتابه الأدبي هذا؛ فالوعظ يتسرّب إلى ثنايا الكتاب تسرّباً طبيعياً لا يبدو مُتكلَّفاً ولا مُقحَماً، لأنه ينبع من اقتناع عميق لا من أداء وظيفة. وهو يُوقف القارئ أمام حقائق الحياة والموت والآخرة بأسلوب لا يُخيف ولا يُنفّر بل يُقرّب ويُدفّئ.

قصص العارفين والصالحين — يُوظّف ابن الجوزي حكايات العارفين والصالحين توظيفاً أدبياً يُحسنه؛ فيختار من هذه الحكايات ما يجمع بين الجمال القصصي والعمق الروحي ويُقدّمها بأسلوب يجعل القارئ مُدهَشاً قبل أن يكون مُتأثراً.

الشعر والاستشهاد به — يتخلل الكتاب شعر غزير يختاره ابن الجوزي اختياراً يكشف عن ذوق أدبي رفيع وذاكرة شعرية ثرية. وهو يُحسن توظيف الشعر في مواضعه فيأتي كل بيت يستشهد به كأنه نُظم لذلك الموضع بالذات لا لغيره.

أسرار النفس الإنسانية — يتأمل ابن الجوزي في ثنايا كتابه في أسرار النفس الإنسانية وما جُبلت عليه من تناقضات وما تُعانيه من صراعات بين ما تعلمه وما تفعله. وهو في هذا التأمل أقرب إلى طبيب النفوس منه إلى الناقد الأخلاقي المُدين.

الزهد وحقيقته — يُعالج الكتاب موضوع الزهد معالجةً تُميّز بين الزهد الحقيقي الذي ينبع من يقين واطمئنان وبين الزهد الشكلي الذي لا يتجاوز المظهر. ويرى ابن الجوزي أن الزهد الحق لا يعني الفرار من الدنيا بل عدم الاستعباد لها.

أسلوب ابن الجوزي في الكتاب

يكتب ابن الجوزي في "المدهش" بأسلوب يختلف عن أسلوبه في كتبه العلمية الفقهية والحديثية اختلافاً يكشف عن وجه آخر من وجوهه كثيراً ما يغيب عن من يعرفه فقيهاً ومحدثاً فحسب؛ فلغته في هذا الكتاب أكثر انطلاقاً وشاعريةً وحيويةً، وهو يكتب بثقة من يثق بقارئه ويُخاطبه مخاطبةً تستوعب عقله وقلبه معاً.

ومن أبرز ما يُميّز أسلوبه في الكتاب توظيفه للمفارقة والمقابلة؛ فهو يُحبّ أن يُقرّب المعنى بوضع شيء في مقابل نقيضه حتى يتجلّى كلٌّ منهما بضوء الآخر. وهو يُقصّر المقاطع ويُنوّعها تنويعاً يُبقي القارئ في حالة يقظة دائمة لا يُمكّن الملل من الولوج إلى قراءته.

المدهش بين كتب ابن الجوزي

يحتل "المدهش" موقعاً خاصاً في مؤلفات ابن الجوزي بين كتبه الأدبية الوعظية التي تُعرّف بوجهه الأديب لا العالم الفقيه؛ فبينما يُعرف ابن الجوزي عند أهل الفقه والحديث بمؤلفاته الكبار كـ"المنتظم" و"تلبيس إبليس" و"صفة الصفوة"، يُعرّفه "المدهش" إلى ذلك القارئ الأدبي الذي يبحث عن الجمال قبل الفقه وعن الأثر الوجداني قبل الحكم الشرعي. وقد كان هذا الكتاب من أكثر مؤلفاته قراءةً وتداولاً في المجالس الأدبية عبر القرون.

مكانته وأثره

يكتسب "المدهش" مكانته من كونه نموذجاً رفيعاً لذلك النوع من الكتابة الإسلامية التي تجمع بين العلم والأدب والروح دون أن تُفرّط في واحد منها لصالح الآخرين. وقد قرأه العلماء والأدباء والعامة على مرّ القرون وجد كلٌّ فيه ما يُشبع ذوقه؛ فالعالم يجد فيه الفائدة العلمية، والأديب يجد فيه الجمال الأسلوبي، والقارئ العادي يجد فيه الدهشة والمتعة والأثر الروحي. وهذا القدر من الاستيعاب الجماهيري الواسع دون تنازل عن العمق هو أندر ما يبلغه مؤلف في كتاب.

"المدهش" كتاب يصدق اسمه على من يقرؤه؛ فأنت تُغلقه وفي نفسك شيء تحرّك لم يكن متحركاً من قبل، وسؤال أُثير لم يكن مطروحاً، وجمال رأيته في شيء كنت تمرّ به دون أن تراه. وهذا بالضبط ما أراده ابن الجوزي حين سمّى كتابه بهذا الاسم.

تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.

اقتباسات القرّاء

  • «لا نحتاج أَن نناظر الْمَلَائِكَة بالأنبياء؛ بل نقُول: هاتوا لنا مثل عمر.»

    أضافه ابن يحيىإيمانياتقبس
  • «( أنين ‌المذنبين أحب إلينا من زجل المسبحين ) حديث قدسي»

    أضافه ابن يحيىإيمانياتقبس

أضف مراجعة

اكتب اقتباساً أو خاطرة

تسجيل الدخول مطلوب لإرسال اقتباس أو خاطرة.

كتب قد تعجبك أيضاً