يقول المؤلف في مقدمة كتابه:
فصول هذا الكتاب:
لمحات تاريخية - أرجو أن تكون كاشفة موحية -
وصور جلية موجزة لبعض العلية النادرين من رجال الأقدار ، وأفذاذ التاريخ ،
الذين جازوا بهذه الحياة - وادى العبرات كما سماها القدماء - متغلبين على
صعابها ، مستعلين على ضروراتها ، وتبوءوا من التاريخ موضعاً ملحوظاً ،
واستأثروا منه بصفحات حافلات .
ولم يكن من همى أن أستقصى جملة أخبارهم ، وأستوعب شتى أحوالهم ومنازعهم
وإنما حاولت أن أجلو طرافة شخصياتهم بطريقتين :
إحداهما: أن أتخير بعض المواقف الخاصة البارزة فى حياتهم ، وطائفة من الحوادث المعينة التى انتابتهم وأظهرت مدخر قوتهم ،
وكامن ملكاتهم .
والطريقة الثانية: توضيح أثر احتكاكهم بشخصيات أخرى تماثلهم فى الاقتدار والفحولة ، وتساميهم فى الإنافة والسموق ، وتخالفهم في
طبيعة الملكات والمواهب ولون المزاج وطريقة فهم الحياة والنظر إلى الكون .
أقول لنفسي وأنا أقرأ مذكرات زفايغ (عالم الأمس): لم يكن هذا الرجل يُزخرِف آلامَه وهو يصف انهيار أوروبا -التي عشِقها كثيراً- أمام عينيه، لم يكن يضخِّم وجعه بأسلوبه الأدبي البارع، أو يستعرض قدراته الفنية كما يفعل كثيرٌ من الأدباء حين يتناولون من بعيد معاناةً لم يكتَووا بنارها، لقد كان ثمن آلام زفايغ هو روحه؛ فقد انتحر عام ١٩٤٢م، أي بعد كتابة هذه المذكرات (عالم الأمس) مباشرةً أو بعدها بشهور قليلة على ما يبدو.. وهكذا فقد منح كلماته كل معاني الصدق والحميمية بهذه النهاية الفاجعة.
لقد كانت الحربان العالميتان (الأولى والثانية) والظروف القاهرة التي اكتنفتهما= ثقيلةَ الحِمل على قلبه، محطمةً لبقية آماله في أوروبا، هو وكثير من جيله، حتى انتهى به التطواف في البلاد والاغتراب عن الديار إلى أن انتحر هو وزوجه في 21 فبراير عام 1942م في منزلهما في بتروبوليس بالبرازيل، وذلك بتناول جرعة كبيرة من الأقراض المنومة، بعدما بعث رسائل وداع إلى أصدقائه..
ويا لها من نهاية محزنة لهذا الكاتب المرهف الأسيف..
يؤرخ المؤلف في هذا الكتاب للملامح الثقافية والاجتماعية في أوروبا (فيينا تحديداً)، ويصوّر -بحسرةٍ غامرة- كيف كانت أوروبا ترفُل في حُلل السلام والازدهار قبل وقوع الحربين العالميتين، ويرصد زوال ذلك العالم المستقر البهيّ وصعود الديكتاتورية والنازية التي أحرقت تلك اللوحة بكل تفاصيلها الجميلة، وشرّدته هو وكثير من سكان أوروبا ومزقتهم.
وأنا بقدر بُغضي وبُغضِ كل إنسان للحرب: إلا أني أحبُّ الأدبَ الذي كُتب عنها، أو كُتب في ظلها، ذلك الأدب الذي نُسج على وقع المعارك، أو في فترات الهدوء الحذِرة، خاصةً إذا كان الكاتب الواصف لذلك -مثل زفايغ- فناناً بارعاً يجعلك تشعر بما يصف، ويُدخلك في مشهده حتى كأنك واقفٌ إلى جواره!






