صفحة كتاب

إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان

غلاف إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان
ابن القيم
00 تقييم0 مراجعة

إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان

ابن القيم الجوزية (691هـ / 1292م — 751هـ / 1350م)

التعريف بالكتاب

"إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" كتاب من أجلّ ما صنّفه الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، وهو من تلك الكتب النادرة التي تجمع في وقت واحد بين العمق العلمي والحرارة الوجدانية والنفاذ إلى باطن النفس الإنسانية بأسلوب يُشعر القارئ أن المؤلف كان يكتب من تجربة حية لا من ورق وحبر. وقد أشار العنوان إلى مضمونه أصدق إشارة؛ فـ"اللهفان" هو المحترق قلباً المضطرب روحاً الذي ضاق بما حلّ به، و"مصايد الشيطان" هي تلك الفخاخ والحبائل الدقيقة التي ينصبها إبليس للنفوس الغافلة فتقع فيها وهي لا تدري.

موضوعه وغايته

يدور الكتاب حول محور واحد جوهري هو القلب الإنساني؛ صحته ومرضه، وما يُحييه وما يُميته، وكيف يقع في مصايد الشيطان وكيف يتخلص منها. وقد جاء الكتاب استجابةً لسؤال حقيقي يعيشه كل إنسان يشعر بقسوة في قلبه وجفاف في روحه وضعف في صلته بالله، فكأن ابن القيم أراد أن يُقدّم للمسلم الذي يُحسّ بهذه الغربة الداخلية دليلاً شاملاً يُشخّص علّته ويصف له دواءها بأسلوب لا يُشبع العقل وحده بل يُحرّك القلب ويُوقظ الضمير.

أقسامه الكبرى

ينقسم الكتاب إلى قسمين كبيرين متكاملين يُشكّلان وحدةً عضوية متماسكة:

القسم الأول: مرض القلب وموته وأسبابه — وهو القسم الأكثر عمقاً وأبعده تأثيراً، يُعالج فيه ابن القيم أمراض القلب الباطنة التي تقطعه عن ربه وتُغلق عليه نوافذ الحياة الروحية. ويبدأ بتقرير مسلّمة كبرى هي أن للقلب حياةً ومرضاً وموتاً كما للأبدان، وأن موت القلب أشدّ خطراً من موت البدن، لأن موت البدن يقطع صاحبه عن الدنيا، أما موت القلب فيقطعه عن الله في الدنيا والآخرة معاً.

ويستعرض في هذا القسم أمراض القلب الكبرى كالغفلة والإعراض والشهوة والشبهة والحقد والحسد والكبر والرياء، ويُحلّل كل مرض منها تحليلاً يكشف عن جذوره وأسبابه وعلاماته وتدرّج تأثيره في القلب، ثم يُبيّن دواءه.

القسم الثاني: مصايد الشيطان وحبائله — وهو القسم الذي اشتُهر به الكتاب أكثر من سواه، ويُعدّ من أجرأ ما كُتب في تاريخ الفكر الإسلامي عن إبليس وأساليبه ومكائده. يُصوّر فيه ابن القيم الشيطانَ تصويراً يجعله واقعاً ملموساً لا مجرد اسم يُذكر في الخطب والمواعظ، ويكشف كيف أن إبليس يُوزّع جنوده على بني آدم ويُصمّم لكل نفس مصيدةً تتناسب مع ضعفها الخاص وشهوتها المسيطرة عليها وغفلتها المعيّنة.

أبرز موضوعاته التفصيلية

القلب الميت والقلب الحي — يُفرّق ابن القيم بين ثلاثة أنواع من القلوب: القلب الحي الصحيح الذي يعرف الحق ويُحبه ويتبعه، والقلب الميت الذي لا حياة فيه ولا يعرف ربه، والقلب المريض الذي يتجاذبه الحق والباطل وبينهما تكون المعركة الكبرى في حياة الإنسان. وهذا التقسيم الثلاثي يُشكّل العمود الفقري الذي يسند الكتاب كله.

آفة الغفلة — يتوسع ابن القيم في الحديث عن الغفلة باعتبارها أمّ الأمراض القلبية وأصل أصولها؛ فالقلب الغافل عن ذكر الله هو القلب الذي فتح أبوابه لكل شيطان، وهو المرتع الخصب الذي تنمو فيه بذور الأمراض الأخرى جميعاً. ويُبيّن أن الغفلة لا تعني غياب الدين بالضرورة، بل كثيراً ما تكون في نفس تؤدي شعائرها ظاهراً بينما قلبها في واد آخر.

الشهوات وأقسامها — يستعرض ابن القيم الشهوات المُهلِكة ويُصنّفها ويُبيّن كيف ينصب لها الشيطان من الحبائل ما يجعل النفس تقع فيها وهي تظن أنها تسير إلى خير. ويُميّز بين الشهوة المحرّمة والشهوة المُفرطة في المباح، وكلتاهما عنده طريق يسلكه الشيطان في اصطياد القلب وإن تفاوتتا في الدرجة.

الشبهات وخطورتها — يرى ابن القيم أن مصايد الشيطان نوعان: مصائد الشهوات التي يصطاد بها أهل الفسق، ومصائد الشبهات التي يصطاد بها أهل الزيغ والضلال. وهذه الأخيرة أشد خطراً لأنها تلبس لباس العلم والدين وتتخفى في هيئة الحق، فتستهوي العقول المتطلعة التي تظن أنها تبحث عن الحقيقة بينما هي تسير إلى الهاوية. ويُحلّل أساليب الشيطان في تزيين الشبهات وتزيينها وإلباسها لباس العقلانية والتحرر والتجديد.

البدع ومصيدة التعبد بغير هدي — يُفرد ابن القيم حيزاً مهماً للحديث عن البدعة باعتبارها واحدة من أخطر مصايد الشيطان؛ لأنها تصطاد النفوس التي تريد الخير وتتحرق للعبادة، فيُزيّن لها الشيطان طرق التقرب غير المشروعة بثوب الزهد والتقوى، فتظن أنها تُقرَّب وهي في حقيقتها تُبعَّد. وهو يرى أن الشيطان في اصطياد المتعبد بالبدعة أكثر فرحاً منه في اصطياد صاحب المعصية، لأن الأخير يعلم أنه مذنب وقد يتوب، أما المبتدع فيظن أنه على هدى فيصعب رجوعه.

الكبر والعجب — يتناول هاتين الآفتين بأسلوب تحليلي نفسي دقيق، ويُبيّن كيف أن الكبر والعجب يُفسدان العلم والعمل والعبادة؛ فالعجب يُحبط الأعمال لأنه يجعل صاحبه يرى نفسه لا يرى ربه، والكبر يُغلق على القلب باب القبول وباب الانتفاع بالعلم. ويذكّر أن الكبر كان أول ذنب عُصي الله به حين رفض إبليس السجود.

الرياء ومداخله الخفية — يُعالج الرياء بدقة استثنائية ويكشف عن مداخله الخفية التي لا يكاد يسلم منها إلا من رزقه الله بصيرة نافذة؛ فالرياء لا يقتصر على الرياء الجليّ الذي يُعلن صاحبه عمله ليُرى، بل يمتد إلى رياء دقيق يتسرّب إلى القلب من أضيق الشقوق، كالسرور بمدح الناس على عمل كان خالصاً، أو الاكتئاب بذمّهم له، أو إتمام العبادة على وجه أحسن حين يُراه الناس.

أسلوب ابن القيم في الكتاب

يكتب ابن القيم في "إغاثة اللهفان" بأسلوب فريد يجمع بين الفقيه المتمكن والمتصوف المُحقّق والطبيب الروحي الخبير؛ فهو يستدل بالقرآن والسنة استدلال الفقيه المتمرس، ويُحلّل أحوال القلب تحليل العارف الذي عاش ما يكتب، ويصف الأمراض والأدوية وصف الطبيب الذي يعرف جسم مريضه. ويُكثر من الاستشهاد بأشعار المتصوفة والزهاد التي تُعبّر عن حالات القلب تعبيراً لا يُحسنه النثر المجرد، مما يمنح الكتاب إيقاعاً موسيقياً روحياً يُضاف إلى ثقله العلمي.

وهو في أسلوبه لا يُخاطب العقل وحده بل يُخاطب القلب مباشرةً، فكثيراً ما تجد نفسك وأنت تقرأ أن كلامه لا يصف حال سواك بل يصف حالك أنت بالذات، كأنه كان يكتب وعيناه عليك لا على غيرك.

مكانته وأثره

يحتل "إغاثة اللهفان" مكانة رفيعة بين مؤلفات ابن القيم ومؤلفات التراث الإسلامي في الجملة؛ فهو من الكتب التي تنتمي إلى ذلك النوع النادر الذي لا يُقرأ مرة واحدة ثم يُطوى، بل يُعاد إليه كلما اعترى القلبَ جمودٌ أو غشيته غفلة. وقد أثّر الكتاب في جيل من العلماء والمصلحين الذين أفادوا من منهجه في تشخيص الأمراض القلبية وطرق معالجتها، وظل مقروءاً متداولاً عبر القرون في حلقات العلم وفي مجالس التزكية على حدٍّ سواء.

ولا يزال الكتاب في عصرنا من أكثر كتب التراث الإسلامي صلةً بواقع الإنسان المعاصر الذي يعاني من قسوة القلب وجفاف الروح وضعف الصلة بالله في خضم حياة ملأها الضجيج وأفرغتها من السكينة، فكأن ابن القيم كتبه لهذا العصر قبل أن يكتبه لعصره.

تسجيل الدخول مطلوب لحفظ المكتبة، المراجعات، والاقتباسات.

اقتباسات القرّاء

  • «كان أحمد يتوضأ فلا يكاد يبل الثرى»

    أضافه ابن يحيىقبس
  • «قال المروزى: وضأت أبا عبد الله بالعسكر، فسترته من الناس، لئلا يقولوا إنه لا يحسن الوضوء لقلة صبه الماء»

    أضافه ابن يحيىقبس
  • «قال الإمام أحمد: من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء»

    أضافه ابن يحيىقبس

أضف مراجعة

اكتب اقتباساً أو خاطرة

تسجيل الدخول مطلوب لإرسال اقتباس أو خاطرة.

كتب قد تعجبك أيضاً